نائلة بنت الفرَافصة
زوجة الخليفة عثمان بن عفان-رضي الله عنه-، هي شاعرة، فصيحة، خطيبة، وفيّة، مستجابة الدعوة.
قصة زواجها من عثمان بن عفان-رضي الله عنه-:
أرسل أمير المؤمنين على الكوفة أميرا هو سعيد بن العاص الأمويّ وقد تزوج سعيد من امرأة من بني كَلْب تُدعى
" هند بنت الفرافصة بن الأحوص الكلبيّ "،
فبلغ هذا الأمر سيدنا عثمان وكان يعلم أن سعيدا صاحب
عقل كبير، ورأي سديد، واختيار رشيد، فكتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإنه بلغني أنك تزوجت من امرأة من كلب، فأخبرني
عن حسبها، وجمالها، واكتب إليّ في ذلك.
فكتب إليه سعيد فقال: أما حسبُها؛ فإنها بنت الفرافصة
بن الأحوص، وأما جمالها؛ فإنها بيضاء مديدة.
عندها كتب إليه عثمان: إن كان لها أخت فزوّجنيها.
واستجاب سعيد، وأرسل لوالدها بالأمر، فأرسل والدها
لأخيها ضبّ- وكان ضبّ مسلما والفرافصة نصراني-
وقال: زوج أختك أمير المؤمنين فأنت على دينه.
وأوصاها والدها لما أرادوا حملها فقال: يا بنيّة،
إنك تقدمين على نساء قريش، وهنذ أقدر على الطيب منك، فاحفظي عني خصلتين: الكحل والماء، فتكحّلي وتطيّبي بالماء. ووجدت نائلة في هذه الوصية اللطيفة بغيتها، فكانت كما
أوصاها والدها تعمل على النّظافة الكاملة.
عندئذ زوج ضبّ أخته نائلة- وكان وليّها –
وحملها إلى عثمان في المدينة المنوّرة.فقالت شعرا،
إنما يدل على حزنها لفراق أهلها، وكراهيتها للغربة.
ألست ترى يا ضب بالله أنني ******* مصاحبة نحو المدينة أركبا
إذا قطعوا حزنا تحثّ ركابهم ******* كما زعزعت ريح يراعاً مثقبا
لقد كان في فتيان حصن بن ضمضم **** وجدّك ما يغني الخباء المحجبا
أبى الله إلا أن تكوني غريبة ******* بيثرب لا تلقين أمّا ولا أباً
وبالتالي تكون نائلة قد انتقلت من بادية السّماوة
( موضع بين الكوفة والشام، وهي برية)
إلى المدينة المنورة.
وصلت نائلة لسيدنا عثمان فأعجب بها وبفصاحتها
وحسن أدبها، فمسح رأسها، ودعا لها بالبركة، فكانت
من أحب نسائه إليه،
وقد أثمر هذا الزواج فولدت له طفلة يقال لها:
مريم بنت عثمان.
*امتدح عثمان نائلة بقوله: ما دخلت على امرأة
أوفى عقلا منها، ولا أحرى أن تغلبني على عقلي....
*بلغت نائلة مكانة كبيرة عند عثمان، وأحب فيها الخصال
الحميدة....ومنذ تلك الأياد بدأت شهرة نائلة تعلو في الأفق،
وتأخذ مكانتها بين النساء، وبدأ التاريخ ابتداء من زوجها
يسجل لها أنصع الصفحات، وأجمل الصفات في مواطن
البلاغة والفصاحة والوفاء، وكمال الخصال الحميدة،
فكانت تابعية جليلة القدر، عظيمة الأثر.

نائلة تلميذة مُوفقة:
أخذت نائلة تتردد على عائشة أم المؤمنين، فروت عنها
كما روت عن زوجها عثمان. ومن مَرويّات نائلة قالت:
أمَّتنا عائشة في صلاة فقامت وسطنا.
روى عن نائلة: النعمان بن بشير الأنصاري،
وأم هلال بنت وكيع..وغيرها.
نائلة تفدي زوجها عثمان بن عفان-رضي الله عنه-:
لنائلة يوم الفتنة سنة 35 هجري، ما يدل على مروءتها وإيثارها، فلما تسَّوِر الثائرون على زوجها في المدين وتبادروه بالسيوف، ألقت نائلة بنفسها عليه حتى تكون له وقاء من الموت،
وضربه أحدهم بسيفه أصابته وأصابت يده-
وبين يديه المصحف – فقال-رضي الله عنه –
والله إنها أول يد كتبت المفصّل، فكان أول قطرة دم سقطت
على هذه الآية:
" فَسَيكفِيكَهُمُُُ اللهُ وهوَ السميعُ العليمُ "
ثم جاء رجل آخر شاهرا سيفه، فاستقبلته نائلة لتمنعه من زوجها وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعا، وفُصلت عن يدها- وقطع لها إصبعين من أصولهما ونصف الإبهام
وشيء من الكف - ثم ضرب زوجها عثمان ضربة نفذت إليه
فمات شهيدا....وذرفت نائلة الدمع سخيا على عثمان وأبت
إلا أن تشارك في دفنه ..وكانت تحمل سراجا وهي تهتف: واعثماناه، وأمير المؤمنيناه! فقال لها: جُبير بن مُطْعم:
أطفئي السراج حتى لا يُفطن بنا، فقد رأيت الغوغاء عند الباب،
فأطفأت السراج..وانتهوا للبقيع...
وتجدر الإشارة إلى أن زوجتا عثمان نائلة وأم البنين
بنت عُيينة هما من دلّتاه في حفرته
على الرجال الذين نزلوا في قبره حتى دُفن ولحدوا له.
وقالت في رثاء زوجها:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة **** قتيل التُجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي **** وقدغُيِّبِتْ فُضول أبي عمر
وتقصد بالثلاثة: رسول الله وأبو بكر الصدية وعم
ر، أما التجيبي فتقصد به: كنانة بن بشر عتاب التجيبي الذي قتل عثمان.

ملامح من فصاحتها وبلاغتها:
* أرسلت نائلة لمعاوية رسالة وبعثت معها أصابعها
الممزقة، وقميص عثمان المُخضب بالدماء.....
من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد:
فإني أذكركم بالله الي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة وأنقذكم من الكفر، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأنشكم الله، وأذكركم حقَّه،
وحق خليفته الذي لم تنصروه، وبعزمة الله عليكم فإنه قال:
" وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
" سورة الحجرات
وإن أمير المؤمنين بُغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حق الولاية، لحق كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره،
وكيف وقد علمتم قدمه بالإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب الله وصدق كتابه، واتبع رسوله، والله أعلم به إذ انتخبه، فأعطاه شرف الدنيا، وشرف الآخرة.....
* كانت من أعمق الناس تأثيرا في نفوس سامعيها، وذلك لمقدرتها على الخطاب، فعقب مقتل عثمان توجهت
لمسجد رسول الله فاستقبلت القبلة بوجهها، ووجهت إحدى
النسوة تستنهض الناس لها، فسدلت ثوبها على وجهها،
وألقت كمها على رأسها حتى آذنوها باجتماع الناس،
ثم حمدت الله وأثنت عليه وصلت على النبي-
صلى الله عليه وسلم-
وكان مما قالته: عثمان ذو النورين، قُتل مظلوما بينكم بعد الإعتذار، وإن أعطاكم العتبى، معاشر الطائفة المؤمنة
وأهل الملة، لا تستنكروا مقامي، ولا تسكثروا كلامي،
فإني حرّى عَبْرى، تذوقت ثكلا من عثمان بن عفان،
ثالث الأركان من أصحاب رسول الله في الفضل عند تراجع
الناس في الشورى يوم الإرشاد.........
وقالت بنهاية الخطبة:
يا هؤلاء: إنكم في فتية عمياء، صماء، طباق السماء....
فلهوات الشر فاغرة، وآيات السوء كاشرة،
ولئن نكرتم أمر عثمان لتنكرن غير ذلك من غيره حين
لا ينفعكم عقاب، ولا يسمع منكم استعتاب.....

من محاسن الوفاء:
كانت نائلة -رحمها الله- ترى الوفاء لزواجها بعد استشهاده أعظم ما تراه لأبيها وأخيها وذوي قرابتها،
فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله، في كل موطن ومقام،
حتى في موقفها يوم قتله حيث قالت وقت إذ: لقد قتلتموه
وإنه ليحيى الليلة بالقرءان في ركعة. واكنت في حدادها عليه
لا تتجمل في أثنائها، ولا تزدان، ولا تفارق داره إلى دار أبيها، سنة من سنن الوفاء، وآية من آياته الرائعة.
وبالرغم من أن رغبة الأيم عن الزواج، وكرهيتها له،
لم يكن من مبادىء الإسلام في شيء، فإن كثيرا من الأيامى
أنِفْنَ أن يتبدلن ببعولتهن زوجا آخر، وفاء لهم،
وإبقاء لذكراهم، وفي مقدمة هؤلاء النسوة نذكر نائلة.

نائلة بنت الفرافصة مستجابة الدعوة:
طاف رجل أعمى بالبيت وهو يقول: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل!
فقال له أحد الرجال: أما تتقي الله عز وجل؟
قال: إن لي شأنا، آليت أنا وصاحب لي لئن قُتِل عثمان لنلطمن
حُرَّ وجهه؛ فدخلنا عليه وإذا رأسه في حجر امرأته
ابنة الفرافصة، فقال لها صاحبي:
اكشفي عن وجهه.
قالت: لِمَ؟
قال: ألطم حُرَّ وجهه.
فقالت: أما ترضى ما قال فيه رسول الله؟ قال فيه كذا،
وقال فيه كذا!
فاستحيا صاحبي فرجع
فقلت لها: اكشفي عن وجهه.
فذهبت تدعو عليّ، فَلَطَمْتُ وجهه.
فقالت: يبس الله يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر ذنبك.
فوالله ما خرجت من الباب حتى يبست يدي، وعمي بصري،
وما أرى الله يغفر لي ذنب.