
الأديب مصطفى صادق الرافعي
[frame="4 98"]
هذا الرجل هو أعظم من كتب نثرًا في العربية في العصر الحديث .. ولو قلنا في العربية على مر العصور فلن نكون مبالغين ..
هذا الرجل كتب النثر كأنه الشعر .. لا تمل أبدًا وأنت تقرأ له موضوعًا .. كأنما نغن الكلام تنغيمًا ..
كلامه هو في الطبقة العليا من البلاغة وحسن البيان ..
حتى لقد حدى بسعد زغلول باشا القول:
كأنه تنزيل من التنزيل .. أو قبس من نور الذكر الحكيم
فلنتعرف إذا على هذه الشخصية التي لم تنل أبدًا قدرها من الذيع والصيت والشهرة لاسيما بين شباب جيلنا ..
هو ..
مصطفى صادق الرافعي
في فترة زمنية ارتفعت فيها دعاوى التجديد ومحاولة سلخ الأمة عن هويتها آلى مصطفى صادق الرافعي على نفسه أن يجعل من قلمه سلاحا يذود به عن هذه اللغة، وحربة يحمي بها حياضها؛ من أجل أن يهزم اللسان العربي هذه العجمة المستعربة، وأن يعيد إلى لغة القرآن مكانتها المرموقة. لقد أضاف إلى العربية فنا جديدا من فنون النثر لم يسبقه إليه أحد، وهو فن "الرسالة الأدبية"، وذلك من خلال كتبه الثلاثة "رسائل الأحزان" و"السحاب الأحمر" و"أوراق الورد"، ومن الإنتاج المتميز للرافعي كتاباه: "تحت راية القرآن"، و"وحي القلم".
مولده ..
ولد الاستاذ مصطفى صادق الرافعى في يناير سنة 1880 و آثرت امه ان تكون ولادته في بيت ابيها. دخل الرافعى المدرسة الابتدائية و نال شهادتها ثم اصيب بمرض يقال انه التيفود اقعده عدة شهور في سريره و خرج من هذا المرض مصابا في اذنيه و ظل المرض يزيد عليه عاما بعد عام حتى وصل إلى الثلاثين من عمره و قد فقد سمعه بصورة نهائية. و لم يحصل الرافعى في تعليمه النظامى على أكثر من الشهادة الابتدائية. و معنى ذلك ان الرافعى كان مثل العقاد في تعليمه, فكلاهما لم يحصل على شهادة غير الشهادة الابتدائية. كذلك كان الرافعى مثل طه حسين صاحب عاهة دائمة هى فقدان البصر عند طه حسين و فقدان السمع عند الرافعى. و مع ذلك فقد كان الرافعى مثل زميليه العقاد و طه حسين من اصحاب الارادة الحازمة القوية فلم يعبأ بالعقبات التى وضعتها الحياة في طريقه, و انما اشتد عزمه و أخذ نفسه بالجد و الاجتهاد, و عام نفسه بنفسه حتى استطاع ان يكتسب ثقافة رفيعة وضعته في الصف الاول من ادباء عصره و مفكريه.
البدايات الأدبيه
بدأ الرافعى حياته الادبية سنة 1900 و كان اهتمامه في البداية منصرفا إلى الشعر وحده و قد أصدر عدة دواوين شعرية منها ديوان الرافعى في ثلاثة اجزاء ثم اصدر ديوانا اسمه النظرات و لقى شعره الاعجاب في الاوساط الادبية و رحب به زعماء الفكر و الوطنية في مصر في ذلك الحين.
و كان معظم شعر الرافعى يدور حول عاطفة الحب و استطاع الرافعى ان يجعل لشعره مكانة خاصة و صوتا مسموعا بين شعراء جيله البارزين و منهم شوقى و خليل مطران و غيرهم. و حظى بين هولاء الشعراء بإحترام و اعتراف أدبى كامل رغم انه لم يكون قد بلغ الثلاثين من عمره بعد. على ان الرافعى لم يستمر طويلا في ميدان الشعر فقد انصرف عن الشعر إلى الكتابة النثرية و عندما نتوقف اما ظاهرة انصرافه عن الشعر نجد انه كان على حق في هذا الموقف فرغم ما انجزه في هذا الميدان الادبى من نجاح و رغم انه استطاع ان يلفت الانظار إلا انه في الواقع لم يكن يستطيع ان يتجاوز المكانة التى وصل إليها الشعراء الكبار في عصره و خاصة احمد شوقي و حافظ إبراهيم فقد أعطى هذا الشعران الكبيران كل جهودهما للشعر و كسبا جماهير كبيرة جدا و اصبح صوتهما أعلى الاصوات في التعبير عن مشاعر الناس و همومهم في هذا الجيل,
اعماله
1. وحي القلم: وهو مجموعة من مقالاته النقدية والإنشائية المستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة والقصص والتاريخ الإسلامي المتناثرة في العديد من المجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، والمؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.
2. حديث القمر: هو ثاني كتبه النثرية وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912؛ عرف فيها شاعرة من شاعرات لبنان ( مي زيادة ) ، وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان " حديث القمر ".
3. كتاب المساكين: وهو كتاب قدّم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، وهو فصول شتى ليس له وحدة تربطها سوى أنها صور من الآلام الإنسانية الكثيرة الألوان المتعددة الظلال. وقد أسند الكلام فيه إلى الشيخ علي الذي يصفه الرافعي بأنه: " الجبل الباذخ الأشم في هذه الإنسانية التي يتخبطها الفقر بأذاه "، وقد لقي هذا الكتاب احتفالاً كبيراً من أهل الأدب حتى قال عنه أحمد زكي باشاً: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو وجوته كما للألمان جوته ".
بعد وقوع الحرب العالمية الأولى، ونزوع المستعمر إلى تحويل كل خيرات البلاد لهذه الحرب، ما ترك أهلها ضحايا للجوع والفقر، ما جعل أرقام هؤلاء تزيد عن ضحايا الحرب ذاتها. نظر الرافعي حوله فرأى بؤساً متعدد الألوان، مختلف الصور والأشكال، فانعكس ذلك كله في كتابه كتاب المساكين
4. رسائل الأحزان: من روائع الرافعي الثلاثة؛ التي هي نفحات الحب التي تملكت قلبه وإشراقات روحه، وقد كانت لوعة القطيعة ومرارتها أوحت إليه برسائل الأحزان التي يقول فيها " هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت؛ ولكن لأنها إلى الأحزان انتهت؛ ثم لأنها من لسان كان سلماً يترجم عن قلب كان حرباً؛ ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع كالحياة وكان كالحياة ماضياً إلى قبر ".5. السحاب الأحمر: وقد جاء بعد رسائل الأحزان، وهو يتمحور حول فلسفة البغض، وطيش القلب، ولؤم المرأة.
6. أوراق الورد رسائله ورسائلها: وهو طائفة من خواطر النفس المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف حالةً من حالاته ويثبت تاريخاً من تاريخه، كانت رسائل يناجي بها محبوبته في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه أو يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام.
7.تحت راية القرآن:وجد الرافعي دعوة التجديد قناعاً للنيل من اللغة العربية مصورة في أرفع أساليبها (الشعر الجاهلي) وباباً يقصد منه الطعن في القرآن الكريم والتشكيك في إعجازه، ومدخلاً يلتمس فيه الزراية بالأمة منذ كان للعرب شعراً وبياناً. لذا ما أنفتأ يقاوم هذه الدعوة، جهاداً تحت راية القران، يبتغي به وجه الله تعالى، فجمع في كتابه
كل ما كتب عن المعارك التي دارت بين القديم وكل ما هو جديد، ما جعله أفضل الكتب العربية في النقد ومكافحة الرأي بالرأي، ما جعله أعلى كتبه مكانة بعد رائعته وحي القلم.
[/frame]