[align=center][table1="width:100%;background-image:url('http://img01.arabsh.com/uploads/image/2015/02/12/0c3f4d4b61f60d.gif');"][cell="filter:;"][align=center]
[align=center][table1="width:80%;background-color:black;"][cell="filter:;"][align=center]
أنا الأمل !!
حُكِيَ عن شيخ من الصالحين المجاهدين أنه كان
يُرابِط (1) بالساحل في صخرة موسى(2) ،
فبَيْنا هو على السُّور ينظر إلى البحر فرأى غُرابًا
قد انحطَّ على سمكة مطروحة على الشطِّ فأدخل
في عين السمكة مِخْلابه ثم اكتحل به!
قال الشيخ: فتعجبت من ذلك، ثم انحدرت إلى
السمكة وأخرجت
مِيْلًا (3) فاكتحلتُ من عينها، فرأيت أشياء لم أكن
أراها من قبل ذلك! ورأيت عجائب.
فبينا أنا في بعض الأيام في جنازة وقد وُضِعَتْ
وإذا رجل يضحك في وجوه الناس ويتلَهَّى! (4)
فكثر ذلك منه، فاغْتظتُ عليه، فلَحقْتُه عند انصراف
الناس من الجنازة.
فقلت: يا عبد الله قِفْ عليَّ.
فالتفت إليَّ فقال لي: مالَك؟
فقلت: ما تستحي من الله الناس في الجنازة وأنت
تضحك وتتَلَهَّى في وجوه الناس؟ فقال: أنت تراني!
فقلت: نعم.
قال: وتُبْصِرُني!
قلت: نعم. وقد رأيتك تضحك في وجوه الناس.
فقال: يا هذا أنا الأمل، بعثني الله في هذه الصورة
أضحك في وجوه الناس، وما هو ضَحِكٌ وإنما
أُسَلِّيهم وأبْسُط لهم الأمل حتى يرجعوا إلى ما كانوا
عليه، حتى لا تخرب الدنيا، ولولا ذاك
ما عَمَرَت الدنيا، ثم غاب عني.(5) انتهى.
قلت: لا شك أن الأمل في القادم، ونسيان مآسي
الماضي، كلاهما من نِعَمِ الله على عباده، ولولاهما
ما استساغ الناس طعامًا ولا شَرابًا!
وقد ورد عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
« لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا،
وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ،
وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى». (6)
«وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أطلعه الله على
ما لم يُطْلِع عليه أُمَّتَه، أطلعه على أهوال الآخرة،
وعلى أفزاعها وشدائدها، وعلى ما فيها من
الآلام والعذاب.
فالإنسان لو علم ذلك وتفاصيله، وعلم ما بعده
لما تلذَّذ بهذه الحياة، ولما تنعَّم بالنعيم الذي فيها،
ولما استقرَّت له الحياة على هذه الحال، بل لتكدَّر
عليه صفْوُ عيشه، وأفزعه ذلك الذي يعلمه،
ولأسهر ليله بالدعاء والعبادة، ولأظمأ نهاره
وأتعب جسمه وأنهَكه خوفًا من العذاب.
وقد ذُكِرَ مثل هذه الأحوال عن كثير من العبّاد
الصالحين الذين لا يهنأ لهم المنام، كلما نام
أحدهم ونعس قليلًا قام فزِعًا يقول:
لم أهنأ بالمنام وأنا أتذكر النار،
منعني ذِكْرُ النار من أن أنام نومة كاملة
أو نومة مستمرة، أو نحو ذلك.
هؤلاء هم أهل المعرفة بالله الذين عرفوا أو أيقنوا،
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول في هذا الحديث:
« لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا »
أي: لكان بكاؤكم أكثر من ضحككم.
ومعلوم أن البكاء لا يكون إلا من الخوف، يعني:
إنكم ستخافون مما أمامكم خوفًا شديدًا يحملكم
على أن لا تهنأوا بالمقام، وأن يكثر بكاؤكم
ونحِيبكم خوفًا من سوء العاقبة، ولا تغرنكم
زينةُ الدنيا، ولن تضحكوا من المضحكات
ولا العجائب ولا غيرها»(7) .
---------------------
(1) المرابطة: هي الإقامة على جِهَاد العَدوّ بالحرب.
أو هي رَبْطُ الْغَازِي فَرَسَهُ بِأَقْصَى دَارِ الْإِسْلَامِ
مُسْتَعِدًّا لِلْجِهَادِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ . وموضع المرابطة،
مثل الحِصْن وغيره يقيم فيه الجيش.
انظر: «معجم اللغة العربية المعاصرة»
[ص/2884] لأحمد مختار عمر،
و«النهاية في غريب الحديث والأثر» [2/461]،
لابن الأثير,
و«طلبة الطلبة» [3/304]، للنجم النسفي.
(2) صخرة موسى عليه السلام: هي التي نَسِيَ
عندها الحوت في قوله تعالى:
{ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ }.
(سورة الكهف: آية: 63).
انظر: «معجم البلدان» [3/ 339].
(3) المِيلُ: هو آلة من خشَب أو فِضَّة أو ريش
أو غيره يُكْتَحَل بها عن طريق غمْسِها في المُكْحلة،
ثمَّ إمرارها على مواضع الكحل من العين.
ويقال له أيضًا: المِرْوَد.
انظر: «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية »
[3/263 ].
(4) يتلهَّى: يعني يفعل أفعال اللاهين والمُهرِّجين!
فلعله كان يُشير بيده ويقفز على رجليه!
(5) قال ابن عساكر في (تاريخه) : قرأت بخط
أبي نصر عبد الوهاب بن عبد الله المري سمعت
الشيخ أبا محمد بن أبي نصر يقول حدثني أبي
أن رجلا حدثه كان يصحب ابن جَوْصا عن نفسه
أو عن شيخ حدَّثه:
«أنه كان يُرابِط بالساحل .... » وساق القصة.
(6) حديث حسن: أخرجه الترمذي وابن ماجه
وأحمد وجماعة من حديث أبي ذر الغفاري،
وحسَّنه الإمام الألباني في «السلسلة الصحيحة»
[رقم/1722]، وفي «صحيح الجامع الصغير»
[رقم/4214].
(7) نقلا: عن «شرح عمدة الأحكام/أشرطة صوتية»
للشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن
بن عبد الله بن جبرين.
[/align][/cell][/table1][/align]
[/align][/cell][/table1][/align]