ملك المشاعر الأخوية
أٹأ‡أ‘أأژ أ‡أ،أٹأ“أŒأأ،: Mar 2012
أ‡أ،أڈأ¦أ،أ‰: خورة. اليمن.
أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‡أٹ: 3,638
أ£أڑأڈأ، أٹأأأأ£ أ‡أ،أ£أ“أٹأ¦أ¬:
10819

حديث جبريل عليه السلام يعلمكم دينكم حديث عظيم
عن0عمر بن الخطاب0رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، ﻻ يرى عليه أثر السفر ، وﻻ يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : " يا0محمد0أخبرني عن اﻹسﻼم " ، فقال له :0( اﻹسﻼم أن تشهد أن ﻻ إله إﻻ الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصﻼة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيﻼ )0، قال : " صدقت " ، فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : " أخبرني عن اﻹيمان " قال :0( أن تؤمن بالله ومﻼئكته وكتبه ورسله واليوم اﻵخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره )0، قال : " صدقت " ، قال : " فأخبرني عن اﻹحسان " ، قال :0( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )0، قال : " فأخبرني عن الساعة " ، قال :0( ما المسؤول بأعلم من السائل )0، قال : " فأخبرني عن أماراتها " ، قال :0( أن تلد اﻷمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان )0ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال :0( يا0عمر0، أتدري من السائل ؟ )0، قلت : "الله ورسوله أعلم " ، قال :0( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )0رواه0مسلم0.
الشرح
هذا الحديث عظيم القدر ، كبير الشأن ، جامع ﻷبواب الدين كله ، بأبسط أسلوب ، وأوضح عبارة ، وﻻ نجد وصفا جامعا لهذا الحديث أفضل من قوله صلى الله عليه وسلم :0( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )0.
وقد تناول الحديث الذي بين أيدينا حقائق الدين الثﻼث : اﻹسﻼم واﻹيمان واﻹحسان ، وهذه المراتب الثﻼث عظيمة جدا ؛ ﻷن الله سبحانه وتعالى علق عليها السعادة والشقاء في الدنيا واﻵخرة ، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة اﻹسﻼم أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة اﻹيمان فاﻹحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، ومما سبق يتبيّن لك سر العتاب الرباني على أولئك اﻷعراب الذين ادّعوا ﻷنفسهم مقام اﻹيمان ، وهو لم يتمكّن في قلوبهم بعد ، يقول الله في كتابه :0{ قالت اﻷعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل اﻹيمان في قلوبكم }0( الحجرات : 14 ) ، فدل هذا على أن اﻹيمان أخصّ وأضيق دائرةً من اﻹسﻼم .
وإذا أردنا التعمّق في فهم المراتب السابقة ، فإننا نجد أن اﻹسﻼم : هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع ، واﻻستسﻼم له بطاعته ظاهرا وباطنا ، وهو الدين الذي امتن الله به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، وجعله دين البشرية كلها إلى قيام الساعة ، وﻻ يقبل من أحد سواه ، ولﻺسﻼم أركان ستة كما جاء في الحديث ، أولها شهادة أن ﻻ إله إﻻ الله ، وأن محمدا رسول الله ، وفي الجمع بينهما في ركن واحد إشارة لطيفة إلى أن العبادة ﻻ تتم وﻻ تُقبل إﻻ بأمرين : اﻹخﻼص لله تعالى ، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في قوله تعالى :0{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمﻼ صالحا وﻻ يشرك بعبادة ربه أحدا }0( الكهف : 110 ) .
والمﻼحظ هنا أن الحديث فسّر اﻹسﻼم هنا باﻷعمال الظاهرة ، وذلك ﻷن اﻹسﻼم واﻹيمان قد اجتمعا في سياق واحد ، وحينئذ يفسر اﻹسﻼم باﻷعمال الظاهرة كما أشرنا ، ويفسر اﻹيمان باﻷعمال الباطنة من اﻻعتقادات وأعمال القلوب .
أما اﻹيمان فيتضمن أمورا ثﻼثة : اﻹقرار بالقلب ، والنطق باللسان ، والعمل بالجوارح واﻷركان ، فاﻹقرار بالقلب معناه أن يصدق بقلبه كل ما ورد عن الله تعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم من الشرع الحكيم ، ويسلّم به ويذعن له ، ولذلك امتدح الله المؤمنين ووصفهم بقوله :0{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا }0( الحجرات : 15 ) ، ويقابل ذلك النفاق ، فالمنافقون مسلمون في الظاهر ، يأتون بشعائر الدين مع المسلمين ، لكنهم يبطنون الكفر والبغض للدين .
والمقصود بالنطق باللسان هو النطق بالشهادتين ، وﻻ يكفي مجرد اﻻعتراف بوجود الله ، واﻹقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم دون أن يتلفّظ بالشهادتين ، بدليل أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر ، كما قال عزوجل :0{ قل من يرزقكم من السماء واﻷرض أم من يملك السمع واﻷبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر اﻷمر فسيقولون الله }0( يونس : 31 ) ، ولكنهم امتنعوا عن قول كلمة التوحيد ، واستكبروا :0{ إنهم كانوا إذا قيل لهم ﻻ إله إﻻ الله يستكبرون }0( الصافات : 35 ) ، وها هو أبوطالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقر بنبوة ابن أخيه ، ويدافع عنه وينصره ، بل كان يقول:
000000000000000000000000ولقد علمت بأن ديـن محمد000من خير أديان البريّة دينـا
00000000000000000000000 لوﻻ المﻼمة أو حذار مسبّة00 لوجدتني سمحا بذاك مبينا
فلم ينفعه ذلك ، ولم يخرجه من النار ؛ ﻷنه لم يقبل أن يقول كلمة اﻹيمان ومفتاح الجنة ، ولهذا كانت هذه الكلمة هي التي تعصم أموال الناس ، وتحقن دماءهم ، ففي الحديث الصحيح :0( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ﻻ إله إﻻ الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصﻼة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إﻻ بحق اﻹسﻼم ، وحسابهم على الله )0متفق عليه ، وقد أجمع العلماء على أن من لم ينطق الشهادتين بلسانه مع قدرته ، فإنه ﻻ يُعتبر داخﻼً في اﻹسﻼم .
أما العمل بمقتضى هذا اﻹيمان ، فهو قضية من أعظم القضايا التي غفل الناس عن فهمها ، فاﻹيمان ﻻ يمكن أن يتحقق إﻻ بالعمل ، والشريعة مليئة بالنصوص القاطعة الدالة على ركنيّة العمل لصحّة اﻹيمان ، فقد قال تعالى :0{ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين }0( النور : 47 ) وﻻ شك أن ترك العمل بدين الله من أعظم التولي عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وبهذا يتبين لك ضﻼل من ابتعد عن نور الله ، وترك العمل بشريعته ، فإذا نصحته بصﻼة أو زكاة احتج لك بأن اﻹيمان في القلب ، ونسي أن العمل يصدق ذلك أو يكذبه - كما قال0الحسن البصري0رحمه الله - ، إذ لو كان إيمانه صادقا ﻷورث العمل ، وأثمر الفعل ، كما قيل :
0000000000000000000000000والدعاوى ما لم يقيموا عليها00 بينـاتٍ أصحابها أدعياء0
وإذا كان اﻹيمان متضمنا لتلك اﻷمور الثﻼثة ، لزم أن يزيد وينقص ، وبيان ذلك : أن اﻹقرار بالقلب يتفاوت من شخص ﻵخر ، ومن حالة إلى أخرى ، فﻼ شك أن يقين الصحابة بربهم ليس كغيرهم ، بل الشخص الواحد قد تمرّ عليه لحظات من قوة اليقين بالله حتى كأنه يرى الجنة والنار ، وقد تتخلله لحظات ضعف وفتور فيخفّ يقينه ، كما قال0حنظلة0رضي الله عنه : " نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا اﻷزواج واﻷوﻻد والضيعات فنسينا كثيرا " ، إذاً فإقرار القلب متفاوت ، وكذلك اﻷقوال واﻷعمال ؛ فإن من ذكر الله كثيرا ليس كغيره ، ومن اجتهد في العبادة ، وداوم على الطاعة ، ليس كمن أسرف على نفسه بالمعاصي والسيئات.
وأسباب زيادة اﻹيمان كثيرة ، منها : معرفة أسماء الله وصفاته ؛ فإذا علم العبد صفة الله " البصير " ابتعد عن معصية الله تعالى ، ﻷنه يستشعر مراقبة الله له ، وإذا قرأ في كتاب الله قوله :0{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير }0اطمأن قلبه ، ورضي بقضاء الله وقدره ، ومنها : كثرة ذكر الله تعالى ؛ ﻷنه غذاء القلوب ، وقوت النفوس ، مصداقا لقوله تعالى :0{ أﻻ بذكر الله تطمئن القلوب }0( الرعد : 28 ) ، ومن أسباب زيادة اﻹيمان : النظر في آيات الله في الكون ، والتأمل في خلقه ، كما قال تعالى :0{ وفي اﻷرض آيات للموقنين ، وفي أنفسكم أفﻼ تبصرون }0( الذاريات : 20 - 21 ) ، ومنها : اﻻجتهاد في العبادة، واﻹكثار من اﻷعمال الصالحة .
ثم تناول الحديث - الذي بين أيدينا - مرتبة اﻹحسان ، وهي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عزوجل :0{ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون }0( النحل : 128 ) ، والمراد باﻹحسان هنا قد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :0( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )0، وهذه درجة عالية وﻻ شك ، ﻷنها تدل على إخﻼص صاحبها ، ودوام مراقبته لله عزوجل .
ثم سأل0جبريل0عليه السﻼم عن الساعة وعﻼماتها ، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها مما اختص الله بعلمه ، وهي من مفاتيح الغيب التي ﻻ يعلمها إﻻ الله ، لكنه بين شيئا من أماراتها ، فقال :0( أن تلد اﻷمة ربتها )0، يعني أن تكون المرأة أمة فتلد بنتا ، وهذه البنت تصبح سيدة تملك اﻹماء ، وهذا كناية عن كثرة الرقيق ، وقد حصل هذا في الصدر اﻷول من العهد اﻹسﻼمي .
أما العﻼمة الثانية :0( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان )0، ومعناه أن ترى الفقراء الذين ليسوا بأهل للغنى وﻻ للتطاول ، قد فتح الله عليهم فيبنون البيوت الفارهة ، والقصور الباهرة0، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علما نافعا ، وعمﻼ صالحا متقبﻼ ، والحمد لله رب العالمين .
__________________
خلاصة العلم :
كتب رجل إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أن اكتب إلي بالعلم كله.
فكتب إليه ابن عمر :
«إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافاً لسانك عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم؛ فافعل.. والسلام ».
سير أعلام النبلاء (3/222)