ملك المشاعر الأخوية
أٹأ‡أ‘أأژ أ‡أ،أٹأ“أŒأأ،: Mar 2012
أ‡أ،أڈأ¦أ،أ‰: خورة. اليمن.
أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‡أٹ: 3,638
أ£أڑأڈأ، أٹأأأأ£ أ‡أ،أ£أ“أٹأ¦أ¬:
10819

من اشراط الساعة البغي في الارض
وقف0ابن عباس0رضي الله عنهما بين أصحابه، ونظر إليهم مليّاً، ثم ألقى إليهم نصيحةً بليغةً جرت عند الناس مجرى اﻷمثال: " لو بغى جبل على جبل، لجعل الله عز وجل الباغي منهما دكّاً".
ولم يستغرب أصحاب0ابن عباس0مقولته، ليس ﻷنّه حبر اﻷمّة وفقيه القرآن والسنّة فحسب، وإنما ﻷجل ما كانوا يعلمون من عاقبة الظلم الوخيمة وعِظم جنايته، وفحش البغي على اﻵخرين واﻻستطالة عليهم .
والبوْن شاسعٌ بين ما يحبّه الله عزّ وجل من العدل والقسط، وبين ما يبغضه من الظلم والبغي والجور، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد حرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس حراماً –كما ثبت في السنّة-، فإن البغي داخلٌ في جملة ذلك.
وبين البغي وغيره من الذنوب عﻼقةٌ محكمةٌ وثيقة، وأوّل بغيٍ سُجّل في التاريخ البشري كان في صورة اﻻعتداء السافر الذي قام به أحد ابنيْ آدم على أخيه:0{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين}0(المائدة:29)، فبغى اﻷخ الظالم على أخيه، وجعلها سُنّةً باقيةً من بعده، واستطالت هذه اﻵفة في الناس حتى استحقّت الدخول في الوصف النبوي "داء اﻷمم"، والمذكور في كﻼم النبي –صلى الله عليه وسلم- في سياق بيان أشراط الساعة وفتنها.
ومن خﻼل هذا الحديث الذي سنسوقه، يتبيّن لنا مدى اﻻرتباط بين البغي وغيره من الذنوب، وما هي اﻵثار المترتّبة عليه، والحديث رواه0أبو هريرةرضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:0(سيصيب أمتي داء اﻷمم)، فقالوا: يا رسول الله، وما داء اﻷمم؟ فقال عليه الصﻼة والسﻼم:0(اﻷَشَر، والبَطَر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي)0رواه0الحاكم0وصححه ووافقه0الذهبي، وفي روايةٍ0للطبراني:0(حتى يكون البغي، ثم يكون الهَرْج).
أما اﻷشر فهو التكبّر والمرح والعُجب، ومعنى البَطَر: الطغيان عند النعمة، ونسيان المنعم سبحانه وتعالى، والتكاثر: أن يريد كلّ امريء أن يكون أكثر أمواﻻً وأوﻻداً، كما قال تعالى:0{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في اﻷموال واﻷوﻻد}0(الحديد:20)، والنجش كما عرّفه0ابن الجوزي: " مدح السلعة والزيادة في ثمنها، وهو ﻻ يريد شراءها؛ وإنما يُغرّ بذلك غيره"، وأما الهَرْج فهو في اﻷصل: الفتنة واختﻼط اﻷمور وكثرة الشر، وهي في هذا السياق بمعنى كثرة القتل، بدليل قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر:0(يتقارب الزمان، ويكثر الهرج)0قالوا: وما الهرج؟ قال:0(القتل القتل)0رواه0البخاري ومسلم.
وعند التأمّل في الحديث نفهم أن البغي قد يكون ناتجاً عن البغضاء والحسد، وهذا معنى صحيح دلّت عليه النصوص، يقول شيخ اﻹسﻼم0ابن تيمية: "والحسد يوجب البغي كما أخبر الله تعالى عمّن قبلنا –في سورة آل عمران-، أنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، فلم يكن اختﻼفهم لعدم العلم، بل علموا الحق، ولكن بغى بعضهم على بعض، كما يبغي الحاسد على المحسود".
وجريمة البغي وبخس الحقوق واﻻستعﻼء على الناس، جريمةٌ منكرة، ومن شناعتها أن تحريمها في القرآن جاء مقروناً بالشرك، قال تعالى:0{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن واﻹثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا}0(اﻷعراف:33)، وعقوبته معجّلة في الدنيا، فعن0أبي بكرة0رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:0(ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في اﻵخرة، من البغي، وقطيعة الرحم)0رواه أصحاب السنن عدا0النسائي، فالبغي معاملة الخلق بضد الرحمة والعدل، فاستحقّ الباغي ﻷجلها الوعيد الشديد.
وإذا كان البغي هو طلب اﻻستعﻼء بغير الحق، فإنه وعلى هذا التعريف يشتملُ على معانٍ عدّة ومتعلّقات كثيرة، ومنه: البغي بمعنى الخروج على اﻹمام، ويكون أصحابه "بغاة" كما في وصف0علي بن أبي طالب0رضي الله عنه لمخالفيه في معركة الجمل فقال: "إخواننا بغوا علينا"، ومنه الزنا، وهو استطالةُ في العرض، وجاءت منه كلمة البغاء، قال تعالى:0{ وﻻ تكرهوا فتياتكم على البغاء}0(النور:33).
وكما يكون البغي على اﻵخرين، فقد يكون البغي على النفس، وذلك عندما يُعاهد اﻹنسان ربّه بالتوبة واﻷوبة حال الشدّة، فإذا حصل له مراده عاد إلى سابق عهده، ونسي ما ألزم به نفسه:0{ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في اﻷرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}0(يونس:22-23).
وصور البغي في أزماننا ﻻ تكاد تنتهي، تبدأ من ظلم العبد لنفسه، وظلمه ﻷقاربه وجيرانه، وتستمرّ الدائرة اتساعاً لتشمل ظلم دولٍ وأقاليم كاملة، صورٌ كثيرة ﻻ تخطئها العين نسمع عنها كلّ يوم في أحاديث الناس، وتشهد لها أروقة المحاكم، وتسجّلها أدوات اﻹعﻼم وكتب التاريخ، فكلّ استعمارٍ حدث فيما مضى، واستطالةٍ على الدول الفقيرة واستﻼبٍ لمقدّراتها ومواردها هو من البغي بغير الحق، وما اﻻختﻼف بين دول الغرب إﻻ تنازعٌ على كيفيّة "تقسيم الكعكة" من موارد الشعوب المقهورة، وتسابقٌ في الحصول على حظ أوفر من التركة.0
أﻻ فليتذكّر كلّ امريء ربّه، فعاقبة البغاة والظالمين خسراً، والقرآن قد صوّر لنا مصارع الظالمين وما حاق بهم من العذاب والنكال، والهزيمةِ والهوان، ولعذاب اﻵخرة أشدّ وأبقى، نسأل الله تعالى أن ينصرنا على من بغى علينا وظلمنا؛ إنه جواد كريم.
__________________
خلاصة العلم :
كتب رجل إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أن اكتب إلي بالعلم كله.
فكتب إليه ابن عمر :
«إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافاً لسانك عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم؛ فافعل.. والسلام ».
سير أعلام النبلاء (3/222)