ثقافة النقد السلبي
بقلم: المهندس مهيب عبد أبو القمبز
غزة – فلسطين
من البلاءات التي نرفل في نعيمها في مجتمعنا هي بلاء حب النقد والعتاب والشكوى. وسأتحدث الآن عن أولاها وهي حب النقد. كلمة (نقد) في اللغة العربية، تعني تمييز الدراهم، وإخراج الزائف منها، أما اصطلاحا فهي الكشف عن محاسن العمل ومساوئه.
ينقسم الناس في النقد إلى قسمين، أولهما أولئك الذين ينتقدون نقدا إيجابيا، والقسم الثاني هم الناس الذين ينتقدون نقدا سلبيا. ولكي نتحدث عن القسم الثاني، ينبغي التحدث عن الفرق بين القسمين. فالنقد الإيجابي هو النقد الذي يتضمن البحث عن محاسن ومساوئ العمل بهدف تشجيع الحسن منه وتفنيد السيئ منه ومن ثم إيجاد حلولا أو بدائل لما وجده الناقد من سوء. على الجانب الآخر فإن الناقد السلبي ينتمي إلى تلك الفئة التي لا هم لها سوى تصيد الأخطاء والعثرات. يحملون مجاهر إلكترونية تكبر الخطأ ألف ألف مرة فلا ترى غيره، وينصب اللسان اللاذع يصف ذلك العمل بشتى النعوت.
في مجتمعنا نجد أن الناقدين السلبيين كثر. تجدهم في الأماكن العامة والسيارات العمومية والوزارات والجامعات والمكاتب الخاصة وفي كل مكان. جرب أن تركب سيارة عمومية يوما ما، وهب أنه صادفك مثلا مظهرا غير حضاريا مثل عربة كارو تغلق الطريق أو سلة قمامة ملقاة في وسط الشارع، فتجد أحد الركاب يتحفز ويجهز نفسه للانطلاق صوب النقد فيبدأ موشح الذم والتقريع والتأفف والضجر ثم يبدأ يلوم كل فرد في المجتمع والحكومة والتشريعي والوزير والرئيس والباشكاتب وكابتن ماجد وزينغو ورينغو وربما أيضا باعة الترمس! كل ذلك دونما أن يكلف نفسه مثلا أن ينزل ويزيل الأذى مثلا عن الطريق لو كان ذلك متاحا له.
كم أشعر بالحنق من أولئك المواطنين الذين يجلسون أمام بيوتهم ويقضون ساعات طويلة في إبداء التأفف والتقزز من تلك الحفر الصغيرة في الأسفلت أمام منازلهم، وبالطبع ستكون البلدية هي الملام الأول ولن تتوقف موجات المد العاتي من اجتياح البلدية ب”تسونامي” النقد السلبي، كل ذلك يحدث بينما لا يكلف أولئك المواطنين أنفسهم بمحاولة ردم الحفر ولو بالرمل ريثما تقوم البلدية بالباقي.
أما عن قاموس النقد السلبي، فحدثوا ولا حرج. فنحن نمتلك رصيد ذا أرقام فلكية من قاموس كلمات تستخدم في النقد السلبي..النقد الهدام…في التثبيط وقتل كل ما هو ممتع وجميل في هذه الحياة. فحينما سألت فلانا ممازحا إياه عن إيجابيات إحدى الشخصية الشهيرة، قلب شفتيه بحثا عن كلمة يفحمني بها، ثم انتقل إلى مرحلة مصمصة الشفاه تعبيرا عن عدم رضاه عن أي شيء في الحياة ثم قال…هو إنسان جيد! … ثم سألت ذات ال”فلان” نفس السؤال بعد حين ولكن من زاوية أخرى..قلت له ما هي سلبيات تلك الشخصية الشهيرة..فجأة شعرت كأنه أصيب بنوبة ذكاء مفاجأة…وتقلصات فكرية حادة…فبدأ يبسمل ويحوقل ثم بدأ في العد على أصابع يديه ذاكرا أدق تفاصيل السلبيات..وبدأ في شرحها وتفصيلها وإبداء رأيه الرائع بالطبع في ضرورة تغيير تلك الشخصية لطباعها… بالطبع هززت رأسي موافقا ليس مجاملة لكن لكي أجنب نفسي هذا القطار المندفع نحوي…لن تستطيع أي كلمة أن توقف سيل كلماته الجارف… هكذا هو الحال عند الكثير…سخاء في الذم والقدح والسلبية، شحّ في التقدير والإيجابية.
لماذا يحدث هذا؟ لأننا امتهنا النقد السلبي، وجعلناه مادة حديثنا…أصبحنا أساتذة في تشريح السلبيات، وتلاميذ فشلة في التعرف على الإيجابيات. نشم القبيح من مساقة عشرة كيلومترات (بالمناسبة هي المسافة التي يشم فيها سمك القرش رائحة الدم!)…نجيد الهدم إلى حد الثمالة، ونجهل البناء إلى حد الغباء! نذوب حبا في لعن الظلام ألف ألف مرة…ونقسو على الشمعة أن نوقدها…
إننا بحاجة إلى مراجعة هذه الثقافة الهدامة…نحتاج إلى توعية الجيل المعاصر إلى أهمية البناء والنقد الإيجابي. نحتاج إلى بناء الشخصية الواعية التي تجيد حمل معاول البناء بيمينها، وتحمل بذور الغرس والأمل. نحتاج إلى تغيير قناعاتنا الداخلية..فلنغير من أنفسنا أولا قبل أن نحاول أن نغير الكون… لو فكر كل منا في تغيير نفسه أولا ثم الآخرين ثانيا لما كان هذا الحال هكذا. لدينا الفرصة الكاملة الآن…فما زال القمر بدرا…هيا بنا نبني قبل أن يحل الظلام..
هيا بنا ننظر إلى الجانب المضيء من القمر ولن أقول إلى الجانب الممتلئ من كأس العصير المثلج حتى لا تشعرون بالعطش..هل شعرتم به الآن؟
__________________
بين الصمت والكلام
Sستولد كلماتي ترفض الموت والهزيمة والاندثار
ولن يخنقوا قضيتي
بألف مشنقة لن أموت
هذا قراري
وعنه لن أحيد
إن أسقطتني الحياة فهذا شأنها، وشأني أنا أن أسقط واقفاً، حتى لو كلفني ذلك شرخاً أبدياً في ظهري!