إن الـبرية يــــوم مبـعث أحـمـد * نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من * خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة * جبت الكنوز فكسرت أعلامها
لما رآها الله تمشي نحوه * لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
ماذا أقول في النبي الرسول ؟ هل أقول للبدر حييت يا قمر
السماء ؟ أم أقول للشمس أهلا يا كاشفة الظلماء ، أم أقول
للسحاب سلمت يا حامل الماء ؟
يا من تضوع بالرضوان أعظمه * فطاب من طيب تلك القاع والأكمُ
اسلك معه حيثما سلك ، فإن سنته سفينة نوح من ركب فيها
نجا ومن تخلف عنها هلك ، نزل بزُ رسالته في غار حراء ،
وبيع في المدينة ، وفصل في بدر ، فلبسه كل مؤمن فيا سعادة
من لبس ، ويا خسارة من خلعه فقد تعس وانتكس ، إذا لم
يكن الماء من نهر رسالته فلا تشرب ، وإذا لم يكن الفرس
مسوما على علامته فلا تركب ، بلال بن رباح صار باتباعه
سيدا بلا نسب ، وماجدا بلا حسب ، وغنيا بلا فضة ولا ذهب
أبو لهب عمه لما عصاه خسر وتبْ
(سيصْلىٰ نارا ذات لهبٍ)
الفرسُ والرُوم واليونانُ إن ذُكروا * فعند ذكرك أسمال على قزم
هم نمقوا لوحة بالرق هائمة * وأنت لوحك محفوظ من التهم
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وإنك لعلى خلق عظيم
وإنك لعلى نهج قويم ، ما ضلْ ، وما زلْ ، وما ذلْ ، وما غلْ
وما ملْ ، وما كلْ ، فما ضل لأن الله هاديه، وجبريل يكلمه
ويناديه ، وما زل لأن العصمة ترعاه ، والله أيده وهداه
وما ذل لأن النصر حليفه ، والفوز رديفه ، وما غل لأنه
صاحب أمانة ، وصيانة ، وديانة، وما مل لأنه أعطي
الصبر ، وشرح له الصدر ، وما كل لأن له عزيمة ،
وهمة كريمة ، ونفس طاهرة مستقيمة .
كأنك في الكتاب وجدت لاء * محرمة عليك فلا تحلُ
إذا حضر الشتاء فأنت شمس * وإن حل المصيف فأنت ظلُ
صلى الله عليه وسلم ما كان أشرح صدره ، وأرفع ذكره ،
وأعظم قدره ، وأنفذ أمره ، وأعلى شرفه ، وأربح صفقه
من آمن به وعرفه ، مع سعة الفناء ، وعظم الآناء ، وكرم
الآباء ، فهو محمد الممجد ، كريم المحتد ، سخي اليد
كأن الألسنة والقلوب ريضت على حبه ، وأنست بقربه
فما تنعقد إلا على وده ، ولا تنطق إلا بحمده ، ولا تسبح
إلا في بحر مجده .
نور العرارة نوره ونسيمه * نشر الخزامى في اخضرارالآس
وعليه تاج محبة من ربه * ما صيغ من ذهب ولا من ماسي
إن للفطر السليمة ، والقلوب المستقيمة ، حب لمنهاجه ،
ورغبة عارمة لسلوك فجاجه ، فهو القدوة الإمام ، الذي
يهدى به من اتبع رضوانه سبل السلام .
صلى الله عليه وسلم علم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ،
والجسد الصبر ، والنفس الطهر ، وعلم القادة الإنصاف ،
والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش الكفاف ، صبر على
الفقر ، لأنه عاش فقيرا ، وصبر على جموع الغنى لأنه
ملك ملكا كبيرا ، بعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلم من
الجهالة ، وهدى من الضلالة ، ارتقى في درجات الكمال
حتى بلغ الوسيلة ، وصعد في سلم الفضل حتى حاز
كل فضيلة .
أتاك رسول المكرمـــات مسلمـا * يريد رسول الله أعظم متقي
فأقبل يسعى في البساط فما درى* إلى البحر يسعى أم إلى الشمس يرتقي
هذا هو النور المبارك يا من أبصر ، هذا هو الحجة القائمة
يامن أدبر ، هذا الذي أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل
ويسر ، كانت الشهادة صعبة فسهلها من أتباعه مصعب
فصار كل بطل بعده إلى حياضه يرغب ، ومن مورده يشرب
وكان الكذب قبله في كل طريق ، فأباده بالصديق ، من طلابه
أبو بكر الصديق ، وكان الظلم قبل أن يبعث متراكما كالسحاب
فزحزحه بالعدل من تلاميذه عمر بن الخطاب ، وهو الذي
ربى عثمان ذو النورين ، وصاحب البيعتين ، واليمين
والمتصدق بكل ماله مرتين ، وهو إمام علي حيدره ، فكم
من كافر عفره ، وكم من محارب نحره ، وكم من لواء
للباطل كسره ، كأن المشركين أمامه حمر مستنفرة
فرت من قسوره .
إذا كان هذا الجيل أتباع نهجه * وقد حكموا السادات في البدو والحضرْ
فقل كيف كان المصطفى وهو رمزهم * مع نوره لا تذكر الشمس والقمرْ
كانت الدنيا في بلابل الفتنة نائمة ، في خسارة لا تعرف
الربح ، وفي اللهو هائمة ، فأذن بلال بن رباح ، بحي على
الفلاح ، فاهتزت القلوب ، بتوحيد علام الغيوب ، فطارت
المهج تطلب الشهادة ، وسبحت الأرواح في محراب العبادة
وشهدت المعمورة لهم بالسيادة .
كل المشارب غير النيل آسنة * وكل أرض سوى الزهراء قيعان
لا تنحر النفس إلا عند خيمته * فالموت فوق بلاط الحب رضوان
أ.د. عائض القرنى