* قال الإمام النووي: كانت سكينة من سيدات النساء، وأهل الجود والفضل
* شاعرة، فصيحة، راوية للحديث النبوي، ناقدة للسعر.
تعريف بها:
والدها: جمعت المجد من مختلف جوانبه، ويكفيها فخرا أن والدها
الحسين بن علي بن أبي طالب-رضي الله عنهما-
سبط النبي-صلى الله عليه وسلم-وريحانته،
وسيد شباب أهل الجنة في الجنة.
أمها: الربّاب بنت امرىء القيس الكلبيّة، من خيار النساء وأفضلهن،
وقد ولدت للحسين عبد الله وبه يُكنى وسكينة
جدها لأبيها:علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-.
جدتها لأبيها:سيدة نساء العالمين في زمانها، فاطمة الزهراء
بنت سيدنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.
عمها: الحسن بن علي، الإمام السيد، ريحانة رسول الله وسبطه،
وسيد شباب أهل الجنة.
السيدة الهاشمية:
نشأت السيدة الهاشمية آمنة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب في البيت النبوي،
ولما كانت في مراجل طفولتها، بدت ذات ملامح حلوة، ونظرات ذكية، عندئذ لقّبتها
أمّها باسم سُكينة، وغلب عليها هذا اللقب. ولا تعرف إلا به.
وكان الحسين بن علي-رضي الله عنه- يأنس لطفلته سكينة، التي كانت
مبعث الحنان والأنس له، وكان يسكن لأمها الرباب التي كانت تُعِيْرهُ كل رعاية
واهتمام. وعوتب الحسين من أقاربه في اهتمامه المفرط بسكينة والرباب.
فروى أهل الأخبار أنها قالت: عاتب عمي الحسن بن علي أبي في أمي،
فقال:
لعمرك إنني لأحبُّ داراً *** تكون بها سكينة والربابُ
أحبُّهما وأبذل جُلّ مالي *** وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عَتبوا مُطيعاً *** حياتي أو يعيّبني التُّراب
ولما شبت سكينة حظيت بالشهرة العالية التي لم تلحق بها امرأة في عصرها،
لما اشتهرت به من حسن الخلق والعلم والأدب، وكانت ذات خلق قويم كريم،
يُزينها أدب وحياء وعلم، ويُحليها ذكاء وفهم وحسن. وفوق هذا وذاك كانت
من النساء التابعيات اللواتي حفظن حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وروينه.
حدثت عن أبيها وعمها الحسن-رضوان الله عليهما-.
روى عنها الحديث، فائد المدني مولى عبيد الله بن أبي رافع، كما روى
عنها أهل الكوفة.
ومن مروياتها. عن فائد المدني مولى عبيد الله بن أبي رافع عن سكينة بنت الحسين
بن علي عن أبيها قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"حملة القرءان
عرفاء أهل الجنة".
مهر سكينة:
خطبها مصعب بن الزبير بن العوام، الذي وصفه ابن كثير بقوله: كان من
أحسن الناس وجها، وأشجعهم قلبا، وأسخاهم كفا.
وكان لمصعب أمنية قديمة جدا في سكينة، إذ تمنى أن يكون واليا على العراق،
وأن يتزوج من عائشة بنت طلحة-فكان ذلك-وأن يتزوج سكينة ابنة الحسين،
فقد آن الأوان، فها هو والٍ لأخيه على البصرة، ويرشحه-لمصاهرة
آل الحسين-كرمَ أصله، فهو ابن الزبير فارس النبي وحواريّه وابن عمته،
وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أضف إلى ذلك شهامته ومروءته التي
عُرف بها مصعب بين أقرانه، وشجاعته التي يتحدث عنها أهل العراق
وأهل الحجازن ومن بالعواصم.
وتمت خطبة مصعب لسكينة، وأمهرها مليون درهم، كما أمهر ضرتها
عائشة بنت طلحة مليون درهم أيضا، وظل هذا المهر العالي حديث الناس
آنذاك...حتى قال أنس بن زُنَيم:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة *** من ناصح لك لا يريد خداعا
مهر الفتاة بألف ألف كامل *** وتبيت سادات الجيوش جياعا
لو لأبي حفص أقوال مقالتي *** وأقص شأن حديثهم لارتاعا
وافق عبد الله بن الزبير بن أنس بن زنيم على شعره وقال: صدق والله أنس،
لو قيلت هذه المقالة لأبي حفص-كنية عمر بن الخطاب رضي-ضي الله عنه-
لارتاع من تزويج امرأة على ألف ألف، غير أن مصعبا لم يكتفِ بهذا،
بل تقول الروايات،أنه أعطى أخاه علي بن الحسين أربعين ألف دينار
لما حملها إليه.
وولدت له ابنة أسمتها الرباب.
فراق الحبيب:
لمصعب مكانة عظيمة عند سكينة، كانت تُخفي ما في قلبها من مصعب، وفي حربه
مع عبد الملك بن مروان دخل إليها، وقد نزع عنه ثيابه، ولبس لباس الحرب،
وأخذ سيفه، فعلمت أنه لا يريد أن يرجع، فصاحت من خلف: واحزناه عليك
يا مصعب، فالتفت إليها وقال: أوكل هذا لي في قلبك؟
فقالت: أي والله، وما كنت أخفي أكثر.
فقال: لو كنت أعلم أن هذا كله لي عندك لكانت لي ولك حال.
ثم خرج ولم يرجع، وقُتل بيد جنود عبد الملك بن مروان.
فلما قتل طلبته حتى عرفته بشامة قي خده، وقالت: نعم بَعْل المرأة المسلمة كنت.
رثاؤها وفصاحتها:
ورثت سكينة قول الشعر عن أبيه الحسين، وعن أمها الرباب فرثت زوجها
مصعب أحرَّ رثاء فقالت:
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذي *** يرى الموت إلا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض لحسين منية *** إلى القوم حتى أوردوه حمام
أما عن فصاحتها وخطابتها فهن من المواقف ما يدل على ذلك، فعندما قتل
زوجها مصعب، خرجت تريد المينة المنورة، فأطاف بها أهل الكوفة فقالوا:
أحسن الله صحابتك يا بنت رسول الله.
فقالت: والله لقد قتلتم جدي-تقصد علي بن أبي طالب- وأبي وعمي، وزوجي مصعبا. أيتمتموني صغيرة، وأرملتموني كبيرة، فلا عافاكم الله من أهل بلد، ولا أحسن
عليكم الخلافة، ثم خرجت تلقاء المدينة المنورة.
سكينة وعبد الملك.
بعد مقتل زوجها مصعب بن الزبير خطبها عبد الملك بن مروان فقالت:
والله لا يتزوجني بعده قاتله أبداً.
ثم تزوجت عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي، فولدت له
حكيما وعثمان وربيحة، وكانت رملة بنت الزبير أم عبد الله ابن عثمان
وأخت مصعب سببا لزواجها من عبد الله.
وبعد وفاة عبد الله تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فشرطت عليه
أن لا يمنعها شيئا تريده ولا يخالفها في أمر تحبه، فوافق على شروطها.
ولما مات لم تتزوج بعده أحدا وبقيت في المدينة المنورة.
أدبها وظَرْفُها وكرمها:
عرفت سكينة بأنها من أطيب النساء نفسا وأحلاهن روحا، فقد كانت تميل
إلى الفكاهة وحب النكتة، وكانت ظريفة تحب الدعابة والطرافة التي تضفي
على جوها روح الخفة والأنس.
قيل لها مرة: يا سكينة، أختك ناسكة وأنت مزّاحة؟
قالت: إنكم سميتموها باسم جدتها المؤمنة(تقصد فاطمة الزهراء)،
وسميتموني باسم جدتي(تقصد آمنة بنت وهب أم رسول الله)
التي لم تدرك الإسلام.
ومن طريف ما روي عنها، أنه لسعتها يوما نحلة فقالت لها أمها: مالك؟
فقالت: مرت بي دُبيرة(نحلة)، فلسعتني بأُبيرة، فأوجعتني قُطيرة.
وكانت سكينة مع مرحها امرأة كريمة ذات اليد، تهين المال، وتعطي وتكرم
من يأتيها، وقد رؤيت مرة بالحج ترمي الجمار، فسقطت منها الحصاة السابعة،
فرمت بخاتمها الثمين بدلا من الحصاة!
أخلاقها وفخرها:
استطاعت سكينة بما أوتيت من فصاحة وبلاغة وبيان أن تؤكد اعتزازها بنسبها
العالي وشرفها الرفيع، ومن الأخبار التي تشير لهذا. أن سكينة كانت في مأتم،
فقالت ابنة لسيدنا عثمان بن عفان-رضي الله عنه- أنا ابنة الشهيد. فسكتت سكينة
ولم تعلق على قولها، وبعد قليل، نادى المنادي للصلاة من المسجد النبوي،
ولما بلغ المؤذن قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، عندئذ التفتت
إلى ابنة عثمان وقالت: هذا أبي وأبوك؟
روي أن سكينة حجت مرة مع ضرتها عائشة بنت طلحة، وكان مع عائشة
ستون بغلا عليها الهوادج والرحائل، فقال حادي عائشة مفتخرا:
عائش يا ذات البغال الستين *** لا زلت ما عشت كذا تحجين
فشق ذلك على سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ونزل حاديها فقال:
عائش هذه ضرّةٌ تشكوكِ *** لولا أبوها ما اهتدى أبوكِ
فأمرت عائشة حاديها أن يكفَّ، فكفَّ احتراما لسُكينة، وكفت عائشة أدبا
وإذعنا لسيدنا رسول الله، وإحقاقا للحق والصدق.
سيدة الناقدين:
اجتمع إليها ذات مرة: جرير، والفرزدق، وكثيّر، وجميل، ونصيب، فنقدت
لكل شعره، وأخذت عليه مآخذه، ثم أثابت كل واحد مهم بألف درهم.
كانت سكينة بصيرة بأعطاف الشعر، وقطاف الأدب،ولباب الفصاحة، وكانت
تمتلك ذوقا في النقد، وميزانا عادلا في وضع الكلام في مواضعه.
الأيام الأخيرة:
قضت سكينة أكثر من نصف قرن، وهي تتربع على قمة الشهرة، وامتد بها العمر
إلى الثمانين، وفي مدينة رسول الله وافاها الأجل.
وكانت وفاتها بالمدينة يوم الخميس، في خمسة من ربيع الأول، سنة (117 هجري).
توفيت سكينة وعلى المدينة خالد بن عبد الملك بن الحكم فقال: انتظروني حتى
أصلي عليها، وخرج إلى البقيع فلم يدخل حتى الظهر، وخشوا أن تتغير فاشتروا
لها كافورا بثلاثين دينار، فلما دخل أمر شيبة بن نصّاح فصلى عليها وقُدم لفضله.
رحم الله سكينة وأسكنها الفردوس.