عضو مميز
أٹأ‡أ‘أأژ أ‡أ،أٹأ“أŒأأ،: Sep 2008
أ‡أ،أڈأ¦أ،أ‰: بلاد مذحج رعين
أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‡أٹ: 495
أ£أڑأڈأ، أٹأأأأ£ أ‡أ،أ£أ“أٹأ¦أ¬:
73

القيم الخُلُقية في الشعر الجاهلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
محمود محمد أسد
نخطيءُ الظنَّ إذا فهمنا الشعر الجاهلي بمفهومٍ قاصرٍ عن استيعابه وفهمه، فشعرنا ديوان العرب وسجلُّ أيَّامهم، وواحة نفوسهم، فما من شعبٍ أو أمةٍ إلاَّ وتصارَعَ فيها الخيرُ والشر والفضيلةُ والرذيلةُ. وهذا حالُ شعرنا العربيِّ فهو مليءٌ بالدُّرَرِ والقِيَمِ الخلقيَّةِ التي تسلَّح بها العربيُّ ودَعا إليها، فمَدح مَنْ أَخذَ بها واكتَسَبها وهجا وذمَّ من ابتعد عنها. ونحن إذ نُبرزُ تلكَ الصُّور والقِيمِ والأخْلاقِ في الشعرِ الجاهِلي لا يعني أننا نَمدَحه بكل ما فيه، إنما نبين الصور المشرِقةَ من المجتَمع الجاهلي المليء بالصور المظلمة، فلما جاء الإسلام هذب هذه الأخلاق والقيم فأبقى محاسنها وأزال مساوءها(1).
لقد اكتسب العربي قِيَما رفيعةً من بيئته ومجتمعه وما فيه من رجالِ حكمةٍ وغزارةِ تجربةٍ. فالصلةُ بين الآباءِ والأجدادِ والأحفادِ مُتَّصِلَةُ. فهي مُثُلٌ وأَخلاقٌ مُكتسبةُ، فزهيرُ بن أبي سلمى في مدحِهِ لهرم بن سنان يذكر ذلك:
فما كان من خيرٍ أَتَوْهُ فإنَّما
توارثَهُ آباءُ آبائهم قبلُ
وعَبَّر عن هذا المعنى طرفة بن العبد:
والمجدُ نُنْميه ونتْلدهُ
والحمدُ في الأكفاءِ ندَّخره
فالشاعر متأثِّرٌ ببيئته ومجتمعه، وهذا حال المجتمع الجاهلي، فهو مجتمع مغلق على القبيلة، والمحيط الذي يَتَنَقَّلُ ضمنَهُ ضيِّقٌ ومتشابه، فمن الطبعي أن نجد تجانُساً في الأفكار والقيمِ التي ورثها الإنسان من قومه. فلبيد بن ربيعة يقول:
مِنْ مَعْشَرٍ سنَّتْ لهم آباؤُهُمْ
ولكلِّ قومٍ سنّةٌ وإمامُها
لا يَطْبَعون ولا يَبورُ فعالهُمْ
إذْ لا تَميلُ مع الهوى أحْلامُها
فهذا يدلُّ على أن العربيَّ في القديم استسقى أخلاقه من آبائه وأجداده وهو معتزٌّ بها وغيورٌ عليها وقد لعبَتْ هذه النصائح والأخلاقُ دورَها في المواقف الصعبة. فعنترة بن شداد يجد في قلب المعركة الحامية ما يشدُّ من عزمِهِ ويدفعه للصبر والكرِّ وهذا يعودُ لوصيَّة عمِّه:
ولقد حفظْتُ وصاةَ عمِّي بالضُّحى
إذْ تَقْلِصُ الشَّفتان عن وضحِ الفمِ
فمن الطبعي أن يدافع العربيُّ عن قَلمه ومُثُلِه ومجده الذي بناه الأجداد، فينتابُهم الخوف من ضَياع مجد الآباء، وهذا ما ذكَّر به لقيط بن يعمر الإيادي قومه في رسالته من بلاد الفرس وقد أحاط بهم الخطر من الفرس:
يا قومُ إنَّ لكمْ من إرْثِ أوّلِكمْ
مَجْداً، فأشفَقْتُ أن يفْنَى ويَنْقَطِعا
ماذا يردُّ عليكم عزُّ أوَّلكم
إن ضاع آخرُهُ أو ذلَّ واتَّضَعا
فما أحوجنا إلى هذا الفهم فلا حاضر لنا إن لم نتمسَّكْ بقيمنا وثوابتنا العقدية ونعتزَّ بتاريخنا الإسلامي المشرق وأصالتنا، وهذا ما دعاني لكتابة هذا الموضوع والإكثار من الشواهد.
هناك الكثير من القيم الخُلقية الإيجابية التي حرص العربي عليها وتغَنَّى بها، وهي منثورةٌ في خطبه وأشعاره، فهو حريصٌ على سُمعته الحسنة التي يكتسبها من الأخلاق الفاضلة فيكبُرُ في عين المجتمع والقوم فعنترة بن شداد يخاطب ابنة عمه:
أثني عليَّ بما علمت فإنَّني
سمحٌ مخالقتي إذا لم أُظْلَمِ
وكذلك نرى عروة بن الوردِ الذي يسعى للذكرِ الحسنِ والخلودِ فيخاطبُ زوجتهُ:
ذريني ونَفْسي - أمَّ حسان - إنَّني
بها قبلَ ألاَّ أمْلِكَ البيعَ مُشتَرِي
أحاديثَ تبقى، والفتى غيرُ خالدٍ
إذا هُوَ أمسى هامَةً فَوْقَ صَيِّرِ
فكان يبْذلُ المالَ والنفيسَ في سبيل الذكرِ الحسنِ لأنَّ المالَ يَفْنى والذكْرُ يَبقى كما يقول تأبَّط شراً وهو يردُّ على معاتبتِه:
يقول: أهلكت مالاً لو قنعتَ به
من ثوب صدق، ومن بز وأعلاق
عاذلتي إن بعض اللوم معنفة
وهل متاعٌ - وإن أبقيتُه - باق
وبلغ بهم هذا التمسك بالقيم قولاً وعملاً بأن نصحوا ودعَوْا إليها، وأيْقَنُوا أن أولادهم خيرُ من يَنْقُلُها ويحافظ عليها، فأكثروا من النصائح، فها هو الشاعر "عبدُ قيس البرجمي" يُملي وصيَّته على أولاده بعْدَ أن أذِنَتْ شمسُ حياته بالمغيب:
أَجُبَيْلُ إنَّ أباكَ كارَبَ يومُهُ
فإذا دُعيتَ إلى العظائم فافعل
واترك محل السُّوء، لا تحلُل به
واحذر حبال الخائن المتبدل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعاً
ترجو الفواضل عند غير المفضل
وإذا تشاجر في فؤادك مرة
أمران، فاعمد للأعفِّ الأجْمَلِ
أتركُ الآباء والقارئ يتأمَّلُ ويتفهَّم هذه الأبيات وبعد ذلك يقارن بين دور الآباء قديماً ودورنا في الوقت الحاضر، وأمامنا وثيقة ثانية مليئة بالنصائح الغنية بمضمونها والتي صاغها "المثقَّب العبدي" من وحْي تجربته في الحياة:
لا يبالي طيب النفس بما
عطب المالُ، إذا العرضُ سَلِم
واعلمْ أن الذمَّ نقصٌ للفتى
ومتى لا يُتّق الذم يُذمْ
أكرم الجار وراع حقَّه
إن عرفان الفتى الحقَّ كرَمْ
إن هذه القيم الحميدة منتشرةٌ في الشعر الجاهلي فتُشَكِّلُ حديقةً جميلةً وما أغنى هذه الحديقة! فالقارئ يجدُ نَفْسَهُ مُعْجَباً ومشدوداً لتلك الدعوات الحميدة للتحلي بالأخلاق التي صاغوها شعراً وبطولة، فكتب الأدب والتاريخ غنية بتلك القصص الممتعة، فالشَّنْفَري حريصٌ على كرامته وعزةِ نفسه:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القِلى مُتَعَزّلُ
لأستافُ تُرْبَ الأرضِ كيلا يرى له
عليَّ من الطولِ امرؤٌ مُتَطوّلُ
واستقبالُ الضيفِ حقٌ وكَرم وحُسْنُ استقبالِهِ خيرٌ من المالِ، فيقول شاعر الكرم والجود "حاتم الطائي":
أُضاحِكُ ضيفي قبلَ إنزالِ رَحْلِه
ويُخْصِبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخِصْبُ للأضيافِ أنْ يكثُرَ القِرى
ولكنَّما وَجْهُ الكريمِ خَصيبُ
ونبقى مع حاتم وهو يرسم معالم شخصية العربي السموح الكريم:
ونفسَكَ أكرمها فإنك إن تَهُن
عليك فلن تُلفي لها الدهر مكرما
وأغفرُ عوراء الكريم ادخاره
وأعرض عن شيم اللئيم تكرُّما
هذه مُثُلٌ اعتزَّ بها العربي في ذلك العصر وزَهَا بها معتزاً فخوراً، لأنها وسام يُزَيِّنَ فيها صدره وصدر قبيلته فعنترة بن شداد يتعامل بحياء وعفة مع جارته ولا يغْدُر بها:
وأَغضُّ طرفي ما بدت لي جارتي
حتى تواري وجارتي مأواها
إني امرؤ سمحُ الخليقة ماجد
لا أُتبعُ النفس اللجوجَ هواهَا
فهذه الصفات والقيم الحميدة خالدةٌ وصالحةٌ لكل وقت، فالقيم السامية تبقى قاعدة متينة لبناء المجتمع والأمة والأفراد. فإنها تبني إنساناً فاضلاً وترفع من شأن المجتمع، فهي سلاح فعَّالٌ ولذلك علينا أن نكتسبها من الطفولة لأن اكتسابها في الكبر صعب كما ذكر الشاعر سويد بن حذاق العبدي:
إذا المرء أعيَتْهُ المروءةُ ناشئاً
فمطلَبُها كَهْلاً عليهِ شديدُ
وهذه الخصال والدعوة إليها جاء الإسلام بها وهذّبها ووضع لها الأسس والقواعد المتينة التي فاقت كل دعوة.
فالعربي لم يتهاونْ عن أداءِ واجبهِ والدفاع عن وطنه وشرفه بل كان الشرف أغلى من كل جاه ومال، ألم يبدأ السموءل قصيدته بهذا المطلع القيم:
إذا المرء لم يَدْنَسْ من اللؤمِ عِرْضُهُ
فكلُّ رداءٍ يرتديه جميل
وحسَّان بن ثابت شاعر الإسلام، وسيد الشعراء المؤمنين يرى أن المالَ الضائعَ يعوّضُ وأما الشَّرف المنهوك فلا:
أصونُ عرضي بمالٍ لا أدنِّسُهُ
لا بارَكَ اللهُ بعدَ العرضِ في المالِ
أحْتالُ للمالِ إنْ أودى فأكسِبُهُ
ولستُ للعرضِ إن أوْدى بمحتالِ
وتحلَّى العربيُّ بالشجاعة وتمدّح بها، وأشادَ بفضلها ودورِها لأنها سبيلُ المنعة والسؤدد والحياة، قال الشاعر "حصين بن حمام":
تأخَّرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ
لنفسي حياة مثلَ أن أتقدَّما
فلَسْنا على الأعقاب تَدْمى كلومُنا
ولكنْ على أقدامِنا تَقْطِرُ الدَّما
وبالمقابل حَرَصَ العربيُّ على السيادة لما لها من أهميةٍ في رفعِ الشأن مما دعاهم للسعي وراءَ أهل العقْلِ والحكمةِ والخلق الحسنِ، فجهْلُ القائد ينعكس على قومِهِ بالضعفِ والانحطاط. فالشاعر "الأفوه الوردي" يرسم صورة القائد:
لا يصلُحُ الناس فوضى لا سراةَ لهم
ولا سراةَ إذا جهَّالهُمْ سادوا
ويقف أمَامَنا زهير بن أبي سلمى (وهو أحد أصحاب المعلقات السبع) يرسم ملامِحَ شخصيته التي يسعى لمثلها العقلاء:
أبيتُ فلا أهجو الصديقَ، ومن يبعْ
بعرضِ أبيهِ في المعاشرِ يَنْفق
أكفُّ لساني عن صديقي وإن أجأْ
إليه فإني عارقٌ كلَّ معرقِ
وفي الحلم، إدْهانٌ، وفي العفو دربةٌ
وفي الصدقِ مَنْحاةٌ من الشرِّ فاصدقِ
ومن يلتمسْ حسنَ الثناءِ بمالِهِ
يَصُنْ عرضَهُ من كلِّ شنعاءَ موبق
وبَعْدَ كلِّ هذا العرضِ وهذه الشواهدِ، ألا يشدُّنا للتوقفِ عند هذا الشعر الناضج بمعانيهِ والقويِّ بأساليبه. لقد نَبَتَ هذا الشعرُ في تربةٍ خصبةٍ، وأعطى ثمرَةً ناضجةً.
إن الصور البليغة في الشعر الجاهلي التي تدعو لإصلاح النفس وتحليها بالقيم والمبادئ الحسنة والصفات الحميدة قد أقرها الدين الإسلامي وجعل لها الأسس المحكمة، ورتب عليها نتائج إيجابية وأثاب عليها. هذه الخصال التي تهذّب النفس وتصقلها؟ وتُزكي الأخلاق مما يُذكر ويُحمد، وقد قال {: "إنما بعثْتُ لأُتَمِّمَ صالح الأخلاق...؟"(2).
وقد قال الشاعر "أحمد شوقي" يطرق آذاننا بقوة:
وإنما الأُممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن هُمُ ذهبَتْ أخلاقهم ذهبوا
الهوامش:
(1) وهذا لمن تخلّق بالخلق العربي وأضاف إليه الدين، فكيف فمن ذهب عنه الدين والخلق العربي.
(2) مسند أحمد 3-80.
المراجع:
1- تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي، ج1، د. شوقي ضيف.
2- ديوان الشعراء الستة الجاهليين، شرح عبدالمتعال الصعيدي.
3- مصادر الشعر الجاهلي، د. ناصر الدين الأسد.
4- ديوان الحماسة لأبي تمام.
__________________