مشرف سابق
أٹأ‡أ‘أأژ أ‡أ،أٹأ“أŒأأ،: Jun 2008
أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‡أٹ: 1,327
أ£أڑأڈأ، أٹأأأأ£ أ‡أ،أ£أ“أٹأ¦أ¬:
80

الجوائز التشجيعية على المسابقات الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد :
فقد كثر السؤال عن حكم المسابقات التشجيعية على العلوم الشرعية : كحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية ، والمتون العلمية : كالعقيدة والفقه والأصول ... فرأيت أن أحرر هذا الجواب رجاء أن ينفع الله به ، ويزول به الإشكال الواقع عند بعض الناس ... فأقول مستعينا بالله تعالى :
المسابقات التشجيعية على العلوم الشرعية لا تخلو : إما أن تكون بلا عوض ، أو بعوض من غير المتسابقين ، أو منهما ، أو من أحدهما .
(1) فإن كانت بلا عوض فلا إشكال في حلها وجوازها ، إذ لا دليل على تحريمها ومنعها ، بل هي داخلة في عموم النصوص الآمرة باستباق الخيرات ، والمسارعة إلى الطاعات ، والتنافس في القربات ، وقد ثبت أن النبي r تسابق مع عائشة t على الأقدام بلا عوض ، فإذا جاز ذلك في الجري ففي حفظ كتاب الله وسنة رسوله r ، وضبط العلوم الشرعية من باب أولى .
(2) وكذلك المسابقة على عوض من غير المتسابقين فإنها جائزة أيضا للأدلة المتقدمة ، ومَن ظن أن ذلك ينافي الإخلاص ، أو يقدح في النيات ، أو يجر إلى الرياء فقد أخطأ من وجوه :
أولا : لأن الله تعالى قد علق على كثير من الطاعات أشياء من ثواب الدنيا ، أو جزاء الآخرة ، كقوله تعالى : ] وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا [ ، وقوله : ] ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض [ ، وقوله : ] ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم [ ، وقوله : ] ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [ .
ووعدهم في الآخرة أيضا بجنات النعيم فيها : لحم طير مما يشتهون ، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، وفاكهة ونخل ورمان وأعناب ، وأنهار الماء واللبن والخمر والعسل ، وحلي الذهب والفضة واللؤلؤ ، وحرير السندس والإستبرق ، وسرر وفرش وأكواب ونمارق وأرائك ، وغير ذلك كثير . ولو كان طلب ذلك مما يقدح في النية ، أو ينافي الإخلاص لََََما ذكره الله تعالى ، ولما أعانهم على الإثم والمعصية .
ثانيا : قد أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الكفار ، ووعدهم بالمغانم الكثيرة ، وأباحها لهم ، كما قال سبحانه : ] وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها [ ، وقال : ] فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا [ ، وقال : ] وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم [ أي العير أو القتال ] وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم [ أي العير .
ثالثا : جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهما من الزكاة ، وهكذا النبي r كان يتألف بعض الناس بأموال الصدقة ، ويعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر ، حتى أعطى ذات يوم رجلا غنما بين جبلين ، مما يدل على جواز التأليف والتشجيع بالأموال لتقوية الإيمان ، والحث على الطاعة ، ولئن كان الحامل على الطاعة أول الأمر المال فيوشك أن تصلح النية ، وتحسن الحال ، كما كان النبي r يتألف أقواما بالمال على الإسلام ، فما يلبث أحدهم يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من كل شيء ، ومثل ذلك قول بعض السلف : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله . بمعنى : كان القصد أول الطلب غرضا دنيويا كالمال ، أو التفوق على الأقران ونحو ذلك ، فما يلبث أحدهم مدة حتى تصلح حاله ، وتحسن نيته ، ببركة القرآن والسنة والعلم الشرعي .
رابعا : قد وعد النبي r أمته بالأجر العاجل على بعض الأعمال الصالحة كقوله r : ( من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) متفق عليه ، ولو كان طلب ذلك مما يقدح في النية ما ذكره النبي r .
خامسا : ويزيد ذلك توكيدا أن النبي r كان يحث أصحابه على بعض الطاعات ويجعل لهم العوض على ذلك كقوله r : ( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) أي ما معه من مال وسلاح ومتاع ، وفي رواية أخرى : ( من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا ) رواه أبو داود [ صحيح أبي داود ] ، وهو نص في هذه المسألة التي أشكلت على بعض الناس ، فأي فرق بين هذا وبين قولنا : من حفظ كذا فله كذا ؟ وأي محظور شرعي في هذا دون ذاك ؟! .
سادسا : لا خلاف في كون هذه المسابقات والتشجيع عليها ببذل الجوائز والحوافز مما يعين على طاعة الله تعالى ، بحفظ القرآن والسنة والعلوم الشرعية ، وسببا في التنافس فيها ، والإقبال عليها ، والانتفاع بها ، في تصحيح : عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم ، وقد أمر الله عباده بالتعاون على البر والتقوى ، وهي من أعظم أنواع البر والتقوى ، ولهذا أبيح أخذ الأجرة على الإمامة والأذان والخطابة والقضاء والدعوة والتعليم ، ولولا ذلك لتعطلت مصالح المسلمين ، إذ قل من يتيسر له التفرغ لمثل ذلك بلا مقابل يستعين به في أمور دينه ودنياه .
سابعا : قد تقرر عند العلماء كافة أن ( الوسائل لها أحكام المقاصد ) ، وهي من الوسائل بلا شك ، وليست بإثم في ذاتها قطعا ، ومقصودها شرعي ، فتكون إذاً جائزة ، بل مشروعة .
ثامنا : ولهذا وذاك جرى علماء الإسلام اليوم في مختلف البلاد على جواز ذلك ، والترغيب فيه ؛ واستحسانه لأنه من وسائل التشجيع على الطاعة ، والحث على العلم ، الذي هو أشرف العبادات ، وأجل القربات ، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي ضعفت فيها الهمم ، وكثرت فيها الصوارف ، وعمت فيها الفتن ، وانتشر فيها الجهل والإعراض عن العلم والدين ، وفشا فيها الفساد ، وتنوعت وسائل الدعوة إليه ، والترويج له ، وقد أدركنا جماعة من كبار علماء المسلمين في هذا العصر ــ من أمثال سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز ، وشيخنا العلامة محمد ابن صالح العثيمين رحمهما الله ــ وهم لا يرون بأسا بذلك ، بل يشجعون عليه ، ويرغبون أهل الخير بالبذل بسخاء فيه ، ويشاركونهم بأنفسهم وجهودهم ، وقد كان شيخنا العثيمين رحمه الله يرأس ( جمعية تحفيظ القرآن الكريم ) بعنيزة ، والتي تقيم سنويا حفلا تكريميا ، لتخريج أفواج من حفظة كتاب الله الكريم ، بحضور نخبة من العلماء والوجهاء والمسؤولين ، يُكَرَّم فيها الحفظة بجوائز قيمة ، وهدايا ثمينة ، جزاهم الله خيرا ، فهي ــ إن شاء الله ــ من السنن الحسنة التي رغب فيها الشرع ، ولا يخفى الأكمل في هذا الباب وهو أن يكون المقصود بالذات طلب مرضاة الله تعالى فإن أتاه الله بشيء من .
(3) وأما المسابقة على العلوم الشرعية مقابل عوض منهما أو من أحدهما يأخذه الفائز ، فقد جرى فيها خلاف بين أهل العلم ، فمنهم من منعها لدخولها في الميسر والقمار المنهي عنه ، ولقول النبي r : ( لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ) أي لا عوض إلا في رمي السهام أو سباق الإبل أو الخيل ؛ قالوا : فحصر النبي r جواز المسابقة بعوض من المتسابقين في هذه الأمور الثلاثة ، لما فيها من إعداد القوة ، والإعانة على الجهاد ، مما يدل على منع غيرها .
ومنهم من أجاز بذلَ العوض ِ في مسابقة العلوم الشرعية أيضا ؛ نظرا لأن الجهاد كما يكون بالسيف يكون أيضا بالعلم والدعوة ، بل هو أعظم الجهادين كما في قوله تعالى : ] وجاهدهم به جهادا كبيرا [ أي بالقرآن ، وقوله تعالى : ] يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [ ومعلوم أن النبي r ما كان يقاتل المنافقين ، بل لما طـُلِب منه ذلك امتنع وقال : ( لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) رواه البخاري ، ولكنه جهاد العلم والحجة والبيان ، وكشف باطلهم ودحض شبهاتهم ، ولأجل ذلك أجاز بعض العلماء المسابقة على عوض في جهاد العلم الشرعي ، كما جازت في السهام والإبل والخيل إعانة على جهاد السيف ، ومن هؤلاء المجيزين شيخ الإسلام ابن تيمية ، واستدل أيضا على جوازها بما ذكر من مراهنة الصديق لبعض قريش حين نزل قوله تعالى : ] الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين [، واختار ذلك جمع من أهل العلم ، وإذا جاز القمار شرعا في ذلك ؛ تحقيقا للمصلحة العظمى ، فجوازه بلا قمار ــ بأن كان العوض من غيرهما ــ أولى .
فتلخص مما تقدم أن المسابقات على العلوم الشرعية وبذل الجوائز التشجيعية فيها جائزة ، بل مشروعة ؛ لكونها وسيلة إلى مشروع ، وقد ثبت أصلها في الكتاب والسنة كما تقدم ، وهي من أعظم وسائل حفظ الدين ، والترغيب فيه ، ولا دليل على منعها شرعا ولا عقلا ، والله الموفق ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .
كتبه / علي بن سالم بن يعقوب باوزير
26 رجب 1428 هـ