[align=center][table1="width:100%;background-image:url('http://www.7ozn.com/uploads5/0af41378086203271.jpg');"][cell="filter:;"][align=center]
المقاصد والنيات
هي محل نظر الله جل وعلا , وهي من الأعمال بمثابة
الروح من الجسد , فكيف يكون حال الجسد إذا نزعت
منه الروح , وكيف يكون حال شجرة اجتثت من فوق
الأرض ما لها من قرار , وكل عبادة لم تقم على نية
صالحة ومقصد شرعي صحيح , فإنها في ميزان الله
هباء تذروه الرياح , وسراب إذا طلبه صاحبه لم يجده
شيئا , من أجل ذلك عني الشرع عناية عظيمة بإصلاح
مقاصد العباد ونياتهم , وورد في ذلك الكثير من
النصوص في الكتاب والسنة .
ومن الأحاديث العظيمة التي وضحت هذا المعنى الحديث
الذي في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى ,
فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله , فهجرته إلى الله
ورسوله , ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة
ينكحها , فهجرته إلى ما هاجر إليه ).
فهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الدين ,
ولذلك صدر به أهل العلم كتبهم , وابتدؤوا به مصنفاتهم ,
قال الإمام الشافعي رحمه الله : ( هذا الحديث ثلث العلم ,
ويدخل في سبعين بابا من أبواب الفقه , وما ترك
لمبطل ولا مضار ولا محتال حجة إلى لقاء الله تعالى ) .
والنية هي القصد الباعث على العمل , ومقاصد العباد
تختلف اختلافا عظيما بحسب ما يقوم في القلب .
فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات )
يعني أحد أمرين
الأول :
أن وقوعها واعتبارها شرعا لا يكون إلا بالنية ,
فكل عمل اختياري يفعله العبد لا بد له من نية باعثة
على هذا العمل ,
والثاني:
أن صحة هذه الأعمال وفسادها , وقبولَها وردَّها ,
والثواب عليها وعدمه لا يكون إلا بالنية .
فالعبادات والأعمال الصالحة بأنواعها , من طهارة وصلاة
وزكاة وصوم وحج وغيرها لا تصح ولا تعتبر شرعا
إلا بقصدها ونيتها ، بمعنى أن ينوي تلك العبادة
المعينة دون غيرها , فلا بد من النية لتمييز صلاة
الظهر عن صلاة العصر مثلا , ولا بد منها لتمييز صيام
الفريضة عن صيام النافلة , وهكذا .
وكما أن النية مطلوبة لتمييز العبادات بعضها عن بعض ,
فهي مطلوبة أيضا لتمييز العادة عن العبادة , فالغسل
مثلاً يقع للنظافة والتبريد ، ويقع عن الحدث الأكبر ،
وعن الجمعة ، والنية هي التي تحدد ذلك , وهذا المعنى
للنية هو الذي يذكره الفقهاء في كلامهم .
وأما المعنى الثاني , فهو تمييز المقصود بهذا العمل ,
هل هو الله وحده لا شريك له , أم غيره, ففيه دعوة
للعبد إلى إخلاص العمل لله في كل ما يأتي وما يذر ,
وفي كل ما يقول ويفعل , فيحرص كل الحرص على
تحقيق الإخلاص وتكميله ، ودفع كل ما يضاده من رياء
أوسمعة ، أوقصد الحمد والثناء من الخلق ، وهذا المعنى
هو الذي يرد ذكره كثيرا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم
وسلف الأمة , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك :
( وإنما لكل امرئ ما نوى ) , أي أنه ليس للإنسان من
عمله إلا ما نواه من خير أو شر , فمن نوى نية حسنة
تقربه إلى الله , فله من الثواب والجزاء على قدر نيته ,
ومن نقصت نيته وقصده نقص ثوابه , ومن اتجهت
نيته إلى غير ذلك من المقاصد الدنيئة فاته الأجر
والثواب , وحصل على ما نواه .
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا للأعمال التي
صورتها واحدة , واختلف صلاحها وفسادها بسبب
اختلاف نيات أصحابها , وهو مثال الهجرة من دار
الكفر إلى دار الإسلام ,
كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ,
فأخبر أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد
منها , فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله ورغبة
في تعلم دين الإسلام , وإظهار شعائره التي يعجز عنها
في دار الشرك , فهذا هو المهاجر حقا , وهو الذي يحصل
أجر الهجرة إلى الله ورسوله , ومن هاجر لأمر من أمور
الدنيا , أو لامرأة في دار الإسلام يرغب في نكاحها ,
فهذا ليس بمهاجر إلى الله ورسوله على الحقيقة ,
وليس له من هجرته إلا ما نواه .
وسائر الأعمال الصالحة في هذا المعنى كالهجرة ,
فإن صلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها ,
وحين سئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة
أو حمية أو ليُرَى مكانُه , أيُّ ذلك في سبيل الله ؟ قال :
( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )
كما في الصحيحين ,
وقال تعالى في اختلاف النفقة بحسب النيات :
{ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا
من أنفسهم كمثل جنة بربوة ... الآية }
(البقرة 265 )
وقال : { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون
بالله ولا باليوم الآخر ... الآية }
(النساء 38)
وهكذا جميع الأعمال.
فالأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب
العبد من الإيمان والإخلاص ، حتى إن صاحب النية
الصادقة يكون له أجر العامل نفسه ولو لم يعمل ,
ولهذا لما تخلف نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
عن غزوة تبوك بسبب بعض الأعذار الشرعية التي أعاقتهم
عن الخروج قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح :
( إن بالمدينة أقواماً ما سِرْتُم مسيراً، ولا قطعتم
وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر ) .
وكما تجري النية في العبادات فكذلك تجري في المباحات ,
فإن قصد العبد بكسبه وأعماله المباحة , الاستعانة
بذلك على القيام بحق الله والواجبات الشرعية ,
واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ,
ونومه وراحته , ومكسبه ومعاشة , أُجر على تلك النية ،
ومن فاته ذلك فقد فاته خير كثير , يقول معاذ رضي الله عنه
( إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ) ,
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه ،
حتى ما تجعله في فيِّ امرأتِك ) ،
وأما الحرام فلا يكون قربة بحال من الأحوال حتى
لو ادعى الإنسان فيه حسن النية .
وبذلك يكون هذا الحديث جامعاً لأمور الخير كلها ,
فحري بالمؤمن أن يفهم معناه وأن يعمل بمقتضاه
في جميع أحواله وأوقاته .
موقع مقالات اسلام ويب
[/align][/cell][/table1][/align]