
الهداية للايمان من اكبر نعم الله
الهداية إلى اﻹيمان من أكبر نِعَم الله سبحانه على عباده، والردة بعد اﻹيمان كفر بالله تعالى، وتنكر لهذه النعمة العظيمة ، وقد جاء في موضوع الردة قوله عز وجل: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله ﻻ يهدي القوم الظالمين} (آل عمران:86)، فما هو سبب نزول هذه اﻵية؟0
تذكر كتب التفسير سببين لنـزول هذه اﻵية:0
اﻷول: أنها نزلت في رجال ارتدوا عن اﻹسﻼم بعد أن دخلوا فيه، وجاء في هذا السبب عدة روايات، بعضها سمَّى من ارتد بعد إسﻼمه، وبعضها أطلق القول، فلم يسمِ أحداً. فمن الروايات التي سمَّت من ارتد: ما رواه0عبد الرزاق، قال: جاء0الحارث بن سويد0فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه: {كيف يهدي الله قوماً كفروا} إلى قوله: {فإن الله غفور رحيم} (آل عمران:89)، فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال0الحارث0: إنك والله لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﻷصدق منك، وإن الله عز وجل ﻷصدق الثﻼثة. فرجع0الحارثفأسلم، فحَسُن إسﻼمه. وروى0الطبري0نحو هذه الرواية عن0السدي.0
ومنها ما رواه0ابن جريج0عن0عكرمة، قال: نزلت في0أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد، ووحوح بن اﻷسلت، في اثني عشر رجﻼً رجعوا عن اﻹسﻼم، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟! فنزلت: {إﻻ الذين تابوا من بعد ذلك}.0
ومن الروايات التي أطلقت القول من غير أن تسمي أحداً: ما رواه0النسائيو0ابن حبان0و0الحاكم0عن0ابن عباس0رضي الله عنهما، قال: كان رجل من اﻷنصار، أسلم، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ فنزلت: {كيف يهدي الله قوما كفروا}، إلى قوله: {فإن الله غفور رحيم}، فأرسل إليه قومه، فأسلم. قال0الحاكم: صحيح اﻹسناد، ولم يخرجاه.
ومنها ما رواه0الطبري0وابن المنذر0عن0مجاهد، قال: نزلت في رجل من بنيعمرو بن عوف0كفر بعد إيمانه، لحق بأرض الروم، فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا، هل لي من توبة؟ فنزلت: {إﻻ الذين تابوا} (آل عمران:89)، فآمن، ثم رجع.0
وأكثر هذه الروايات تدور على0الحارث بن سويد، وأن الردة حصلت منه، ثم رجع إلى اﻹسﻼم، وحَسُن إسﻼمه.0
الثاني: أن اﻵية نزلت في أهل الكتاب، روى0الطبري0عن0ابن عباس0رضي الله عنهما، قال: هم أهل الكتاب عرفوا0محمداً0ثم كفروا به. وروى0الطبريأيضاً وابن المنذر0عن0الحسن0في اﻵية، قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت0محمد0في كتابهم، وأقرُّوا به، وشهدوا أنه حق. فلما بُعِث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم؛ حسداً للعرب حين بُعِثَ من غيرهم.0
وقد ساق0الطبري0هذين القولين في سبب نزول اﻵية، ورجح ثانيهما؛ اعتماداً على أن سياق اﻵية وارد في أهل الكتاب، ومن ثَمَّ كان حَمْل سبب النـزول عليهم أولى. لكنه بالمقابل لم يستبعد القول اﻷول؛ اعتماداً على أن القائلين به أكثر رواية، وأعلم بتأويل القرآن.0
وبناء عليه، فقد قال: "وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه اﻵيات بسبب القوم الذين ذُكِرَ أنهم كانوا ارتدوا عن اﻹسﻼم، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن اﻹيمان بمحمد0صلى الله عليه وسلم في هذه اﻵيات. ثم عَرَّف عباده سُنَّته فيهم، فيكون داخﻼً في ذلك كل من كان مؤمناً0بمحمد0صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث، ثم كفر به بعد أن بُعِثَ، وكل من كان كافراً ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وهو حي عن إسﻼمه، فيكون معنيًّا باﻵية جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما".0
وما ذهب إليه0الطبري0من حمل اﻵية على العموم هو الصواب والحق الذي ينبغي المصير إليه، فسواء كانت اﻵية نزلت فيمن ذُكِرَ أنه ارتد عن اﻹسﻼم في عهده صلى الله عليه وسلم، أو نزلت في اليهود خاصة، فإن معناها عام، يشمل من كان في عهده صلى الله عليه وسلم ممن دخل في اﻹسﻼم، ثم ارتد عنه، أو من كان من أهل الكتاب، وتشمل أيضاً كل من جاء بعده صلى الله عليه وسلم، ودخل في دين الله، ثم ارتد عنه.0
وعلى ضوء ما تقدم، يكون المراد من اﻵية: أنه سبحانه ﻻ يرشد إلى الصواب ويُوَفِّق لﻺيمان، من جحد نبوة0محمد0صلى الله عليه وسلم بعد تصديقه إياه، وإقراره بما جاءه به من عند ربه، وبعد أن أقر أن0محمداً0رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقاً، وجاءته الحجج من عند الله والدﻻئل بصحة ذلك. فالله ﻻ يُوَفِّق للحق من أعرض عن ذكره، وﻻ يهدي إلى الصواب من تنكب عن سبيله، واختار الكفر على اﻹيمان.0
__________________
خلاصة العلم :
كتب رجل إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: أن اكتب إلي بالعلم كله.
فكتب إليه ابن عمر :
«إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافاً لسانك عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم؛ فافعل.. والسلام ».
سير أعلام النبلاء (3/222)