التمني والحسد:
إن التمني يحبب للمتمني الشيء الذي تمناه فإذا أحبه أتبعه نفسه فرام تحصيله وافتتن به فربما بعثه ذلك الافتنان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده وإلى الاستئثار به عن صاحب الحق فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحق صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمنتها، وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم فإنه يفضي إلى الحسد وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد، والتمني هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب، أو هو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه لأن ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء فأما طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضر بالغير فلا نهي عنه لأنه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية، أما طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير في ذلك.
وحكمة النهي عن التمني المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32] أنها تفسد ما بين الناس معاملاتهم فينشأ عنها الحسد، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود، ثم إن تمني الأحوال المنهي عنها ينشأ في النفوس أول ما ينشأ خاطراً مجرداً ثم يربوا في النفس رويداً رويداً حتى يصير ملكة فتدعوا المرء إلى احترام الجرائم ليشفي غلته، فلذلك نهوا عنه ليزجوا نفوسهم عند حدوث هذه التمنيات بزاجر الدين والحكمة فلا يدعوها تربوا في النفوس(54).
تبعات الحسد على الحاسد والمجتمع:
إن ما ينبني على الحسد شيء كثير؛ ولكنه في الشر طبعاً، ولو كان في الخير لكان شيء حسن، إلا أن الحاسد فيه من الشر ما يطغى على جانب الخير الفطري الذي هيأه الله في كل مخلوق، فالحاسد يرعى جانب الشر الذي عنده، ويتجنب كل حسن وطيب، ولا يسعى لتغيير ما فيه نحو الخير بل بالعكس تماماً، ولهذا كان الحاسد أشد الناس خطراً على نفسه وعلى المجتمع من حوله.
ولعل من المناسب أن نذكر هنا بعض ما يلحق الحاسد في دينه ودنياه، ومن حوله ممن يعيش معهم من الأضرار، وذلك قبل أن نتطرق إلى الجانب العلمي للحسد، فالحسد يحلق الدين كما يحلق الشعر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»(55).
كما أنه ينفي الإيمان الكامل أو الإيمان المطلق، فلا يمكن أن يجتمع إيمان بالله وبأسمائه وصفاته وحكمته وقدرته ومشيئته، والإيمان بالقدر، وأنه من عند الله مع حسد في القلب يعترض فيه صاحبه على قدر الله ومشيئته فيما كتبه لغيره من الخير، وقد جاء في الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد»(56).
بالإضافة إلى هذا فإن المجتمع الذي يسود فيه الحسد مجتمع متفكك، لا يحب بعضه بعضاً، ولا يرحم بعضه بعضاً، بل قل ما شئت في مجتمع يريد كل فرد فيه أو أغلبهم الخير لنفسه وزواله عن غيره، فهنا لا شك أن لعنة الله نازلة وعقابه حاصل لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا»(57).
كيف لا وقد عم الخبث وفشي بين الناس، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الخبث إذا كثر وقع الشر وعم الفساد، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنهن: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»(58).
فالحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له بخيلٌ بما لا يملكه طالبٌ مالا يجده، وقال ابن المعتز: الحسد داء الجسد، وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت، وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه، وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم وهمّ لازم وقلب هائم، فالحاسد لا ينال في المجالس إلا مذمة، وذلاً ولا ينال من الملائكة إلا لعنةً وغضباً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وهمّاً، ولا ينال عند النزع إلا شدةً وهولاً، ولا ينال في الموقف إلا فضيحةً ونكالاً، ولا ينال في النار إلا حراً واحتراقاً(59).
علاج الحسد والعين عند المسلمين:
لما كان أمر الحسد والعين أمر معنوي محض لا مدخل للماديات فيهما؛ كان علاجهما من جنسهما؛ علاجاً معنوياً محضاً، ولن استطرد هنا في الأذكار والأدعية النبوية المأثورة الصحيحة لعلاج الحسد والعين، لأن هذا مكانه الطب النبوي، وكتب العلاج بالقرآن، وهذا بحث يتناول جانب الإعجاز العلمي، سوى أنني سآخذ طرفاً منها استأناساً بها.
فلا آكد من المعوذات في هذا الباب فقد نُدِبْنا إليها دبر كل صلاة بل عند الصباح والمساء وغير ذلك فقال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، بل أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بهما، فقد أمر أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد فعابه أو سحره أو بغاه سوءاً، لأن الله عز وجل لم يخصص من قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حاسداً دون حاسد بل عم أمره إياه بالاستعاذة من شر كل حاسد فذلك على عمومه(60).
وتقييد الاستعاذة من شره بوقت (إذا حسد) لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به، والمراد من الحسد في قوله (إذا حسد) حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته فلا إشكال في تقييد الحسد بـ (حسد) (61).
والاستعاذة به من شر حاسد النعمة فهو مستعيذ بولي النعم وموليها كأنه يقول يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني وهو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه وهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجبر المستجير وهو نعم المولى ونعم النصير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: 2-3]:
فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدراً لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحداً غير الله إلا لنقص خوفه من الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98-100] وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم(62).
غير أني لم أجد بداً من أن أذكر كلام الإمام الجليل ابن القيم بهذا الصدد وهو يتناول الموضوع ووسائله المعينة على الخلاص من هذا الداء، فهو كلام عظيم الفائدة، خاصة لمن آمن بالحسد والعين، حيث يقول:
"ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:
أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره واللجوء والتحصن به واللجوء إليه، والله تعالى سميع لاستعاذته عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به سمع الإجابة لا السمع العام فهو مثل قوله: سمع الله لمن حمده، لذلك فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله تعالى يراه ويعلم كيده وشره فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته أي مجيب عليم بكيد عدوه يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ ويقبل بقلبه على الدعاء.
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك»(63) فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف ولمن يحذر؟.
السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جنداً وقوة للمبغي عليه (المحسود) يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60].
فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولاً فكيف بمن لم يستوف شيئاً من حقه بل بغي عليه وهو صابر.
السبب الرابع: التوكل على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه أي كافية، فجعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإذا جبذ روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به وأن لا يخطره بباله فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضاً فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضاً، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوارعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها، فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلاً، فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها.
السبب السادس: وهو الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يجعل بيت إنكاره وقلبه معموراً بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه، والتدبير عليه هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته، فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن وصار داخله، فلقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به ولا ضيعة على من آوى إليه ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لم لا أعلم»(64)، فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب، ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه فقال له قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه فقال له ما صنعت فقال تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي.
فليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه فيشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد فما أسعده من عبد وما أبركها من نازلة نزلت به وما أحسن أثرها عليه ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فما كل أحد يوفق لهذا لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها.
ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود فحينئذ يبرد أنينه وتنطفئ ناره لا أطفأها الله فما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم فالمحسن المتصدق يستخدم جنداً وعسكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه فمن لم يكن له جند ولا عسكر وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان.
السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذىً وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إحساناً وله نصيحةً وعليه شفقةً، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: 54].
واعلم أن لك ذنوباً بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءاً وفاقاً فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك.
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء وذلك أمر فطري فطر الله عباده فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكراً لا يعرفهم ولا يعرفونه ولا يريدون منه إقطاعاً ولا خبراً هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة والله هو الموفق المعين بيده الخير كله لا إله غيره وهو المسئول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [الأنعام: 17].
وقال النبي لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»(65) فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً واشتغالاً به عن غيره فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده.
وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل والله يتولى حفظه والدفع عنه فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمناً فالله يدافع عنه ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع وإن مزج مزج له وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
كما قال بعض السلف: "من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة"
فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه وتوكله عليه وثقته به وأن لا يخاف معه غيره بل يكون خوفه منه وحده ولا يرجوا سواه بل يرجوه وحده فلا يعلق قلبه بغيره ولا يستغيث بسواه ولا يرجو إلا إياه ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه وخذل من جهته فمن خاف شيئاً غير الله سلط عليه ومن رجا شيئاً سوى الله خذل من جهته وحرم خيره هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا"(66).
الكشف العلمي الحديث:
تبين لنا حقيقة الحسد والعين في نظر الإسلام، واطلعنا على أهم جوانبهما، من حيث ورود النصوص الصحيحة فيهما، وما يترتب عليهما من أسباب ومضار وتبعات، وكذلك تطرقنا إلى أنواع العلاج لكل منهما، وإن كان بشيء من الإيجاز.
ولقد بقي أن نتعرض للموضوع من جانبه العلمي أو من منظور معاصر، آخذين بنظر الاعتبار حقيقتهما العلمية، وما توصل إليه علماء اليوم في شأنهما من مستجدات وحقائق قد تثري الموضوع، وتضيف لهما دعامة أخرى من دعائم التأييد والتأكيد.
يقول يوري خولودوف (وهو أخصائي وظائف الجهاز الفسيولوجي العصبي): تحيط بجسم الإنسان أنواع شتى من الإشعاع الكهرومغناطيسي إلا أن الأثر الذي قد تتركه تلك الموجات النابضة على كيان الحيوانات ليس مفهوماً فهماً كافياً، وإلى جانب هذه التأثيرات الخارجية نجد أن الجسم يولّد مجالاته الكهرومغناطيسية الداخلية الخاصة به، ولا يصل علمنا إلا إلى القليل عن كيفية تفاعل هذه المجالات.
وقد بدأ العلماء يعيدون حساباتهم للتفهم الصحيح للعمليات الحيوية التي لم تكن الكيمياء وحدها كافية لتفسيرها، مثل انتقال النبضات العصبية بسرعة وتباين أشد بكثير من مجرد الانتقال من خلال الموصلات ومثل انقباض العضلات وانقسام الخلية، وأخيراً عملية التفكير، لأنه وعند انقسام الخلية الحيوانية أمكن رصد انبعاث فوتونات من الضوء غير المرئي ومن الأشعة فوق البنفسجية، وكذلك أمكن رصد موجات فوق صوتية ترددها ما بين مليون و10 مليون ذبذبة في الثانية، وكذلك أمكن رصد موجات فوق صوتية تصدر وعندها تتغير الجزيئات البروتينية الكبيرة من شكلها بالضغط أو المط، كما لو كنت تطبق علبة من الصفيح(67).
كما ثبت أن وجود الإنسان في ظل الجاذبية الأرضية يجعل له تفكيره المتزن مع هذه الجاذبية، وعندما وضعوا رواد الفضاء في ظروف انعدام الجاذبية أمكن إحداث انتظام في أجهزتهم الحيوية، ولكن حدث خلل ملحوظ في طريقة ونشاط تفكيرهم.
هذا وقد أمكن الوصول إلى فك شفرة لتتابع الطاقة الصادرة من المخ لأجزاء من الجهاز العصبي تحركه بناء على معلومة لدى الشخص المختبر، يتحرك على أساسها، ثم تم قطع هذا الجزء تماماً وفصله عن منطقة أخذ المعلومات من المخ، وعرض هذا الجزء من الجهاز العصبي لنفس الشفرة من الطاقة التي تم التوصل إليها (والتي أمكن إحداثها بطريقة غير حيوية) فأعطت نفس الاستجابة وكأنها صادرة عن نفس المخ من ذات مركز المعلومات.
وأثبت أرثركوسلر أنه يمكن نقل المعلومات والصور عن طريق الجلد لو أمكن تحويلها إلى شفرة طاقة تنتقل في أطراف الأعصاب وتصل إلى المخ، حتى قال بيتركابتسا: "إنني أقسِّم الظواهر إلى ممكنة ومستحيلة، بل إلى مكتشفة وغير مكتشفة، ويجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد القديم بأنه لن تكون هناك مكتشفات جديدة مستقبلاً".
وكانت هذه الظواهر -وغيرها الكثير- إرهاصة دعت بعض مراكز البحوث في العالم إلى تبني هذا الموضوع وتكثيف البحث حوله، وكان من رواد هذا المجال الدكتور هيروشي موتوياما (وهو عالم ياباني حصل على (ph.d.) في علم وظائف الأعضاء وعلى (ph.d.) في علم النفس وهو مدير معهد علم النفس الديني بطوكيو)، الذي أجرى العديد من التجارب العلمية حول هذا الموضوع نشرت خلال السبعينات من هذا القرن نلخصها فيما يلي: ميز هيروشي موتوياما بين الشخص العادي وشخص غير عادي سماه (Psi-ability) شخص له قدرة طاقية نفسية داخلية، فوجد أن الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية يمكنه التحكم في بعض وظائف لا إرادية للجهاز العصبي، مثل سرعة ضربات القلب وسرعة التنفس، وبعضهم استطاع أن يوقف ضربات قلبه خمس ثوان، ولاحظ أن هؤلاء الأشخاص النفسيون هم من ذوي الطبائع التأملية والرياضات العقلية النفسية وأنهم منطوون على أنفسهم، وأنهم قليلو الاختلاط بالناس، قليلو الحركة الحياتية، منهمكون في التأمل العقلي النفسي وليس التأمل العقلي الرياضي أو العلمي أو الفني.
وتمكَّن هذا العالم من رصد وتسجيل بعض مؤشرات عن وظائف أعضاء هؤلاء الأشخاص، مقارنة بالأشخاص العاديين حيث ظهر اختلاف في معدل تدفق البلازما وسرعة التنفس والمقاومة الجهدية الكهربية للجلد بين الشخص العادي والشخص ذي القدرة النفسية الداخلية، وتمكّن من ملاحظة ما يمكن أن ينتاب الشخص العادي من تأثير التركيز العقلي من الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية عليه؛ فوجد أن التركيز العقلي من الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية على شخص عادي يسبب له خللاً في المقاييس الثلاثة التي قاسها، وهي معدل تدفق البلازما وسرعة التنفس والمقاومة الجهدية الكهربية للجلد.
وقد استطاع أن يصمم أجهزة دقيقة لقياس الطاقة فأثبت أن هناك انبعاث للطاقة من جسد الشخص ذي القدرة النفسية الداخلية، وهي التي تسبب التأثير على الشخص العادي وأنها تنبعث من بؤر سماها (شاكرا-CHAKRA) توجد على امتداد الحبل الشوكي مع المحور الطولي للإنسان، وإن أشدها نشاطاً هي البؤرة الموجودة بين العينين والتي تقابل تماماً الغدة النخامية فيه.
ولخص هيروشي موتوياما معلوماته على النحو التالي:
1- الأشخاص العاديون غير قادرين على بعث هذه الطاقة.
2- الأشخاص المميزون يمكنهم إيقاظ الانبعاث عن طريق التركيز أو أثناء ما تنتابهم من حالات نفسية غير مستقرة.
3- أقوى النقاط المؤثرة في (الشاكرا) هي البؤرة التي على الجبهة بين العينين.
4- التأثير على الأشخاص يظهر واضحاً.
ولا يبقى إلا أن نضع المسميات المناسبة على مسميات هيروشي موتوياما، إن هناك أفراداً قلائل يتميزون بوجود بؤر نشطة لانبعاث الطاقة فإذا صحب ذلك أن كان هؤلاء الأشخاص منطويين على أنفسهم كثيري التأمل فيما عند غيرهم من النعم، كثيري التألم النفسي على عدم وجود مثل هذه النعم لديهم، نشطت عندهم هذه البؤر، وخاصة بؤرة ما بين العينين وأصبح الشخص من هؤلاء شخصاً نفسياً على حد تعبير هيروشي أو شخصاً عائناً على حد تعبير الحديث النبوي الشريف؛ فإذا ما تحركت نفس هذا الشخص العائن تجاه شخص ذو نعمة واستكثرها عليه صدرت انبعاثات من الطاقة ذات شفرة خاصة من البؤرة بين العينين وأثرت على الشخص المعين فأفسدت الطاقة في جهازه العصبي أو غيره فيصاحب ذلك خلل يؤدي إلى مرض أو ألم أو فساد أو ضعف أو غير ذلك، وهذا هو مفهوم العين تماماً كما صورها الحديث النبوي الشريف(68).
بالإضافة إلى ما تقدم تقول الكاتبة والباحثة الإنجليزية والصحفية لين ماكتاجارات في كتابها البحث عن سر قوة الكون (The Field: The Quest for the Secret Force of the Universe by Lynne McTaggart): لقد كانت هناك دراسات مذهلة تمت في منتصف القرن الماضي في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وروسيا، في موضوع الطاقة الكونية، إن هذه الدراسات قفزت قفزات خطيرة في عام 1973م حيث قامت الإدارة الأمريكية آنذاك بجمع كبار علماء الطاقة والفيزياء ودعمت جهودهم في إيجاد حل استراتيجي لوقود الآلات والمركبات كبديل عن البترول أو النفط، إلا أن العلماء وفي أثناء تلك البحوث المركزة أصابهم الذهول مما اكتشفوه من معلومات في غاية الغرابة عن طاقة الكون، وبسبب هذه الاكتشافات عادت مؤسسات الإدارة الأمريكية وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومؤسسة الفضاء (NASA) في بحث تفاصيل الموضوع الأمر الذي أكدت الكثير منه.
إن هذه الاكتشافات تتحدث عن أن الكون مزود بطاقة ومتصل ببعضه البعض، ويؤثر كل جزء فيه بالآخر، ويبنى على ما توصلت إليه دراسات الـ (Quantum Physics) التي خرجت بعد نيوتن، ونظريات ألبرت آينشتاين في الطاقة والزمان، إن إحدى هذه الدراسات، على سبيل المثال، درست الذرة، وما داخلها (نواة وإلكترون). ويسمى هذا العلم الفيزياء الذرية، ثم درسوا النواة في الداخل والإلكترون، ويسمى هذا العلم الفيزياء النووية، ثم درسوا جزيئات النواة ويسمى هذا العلم فيزياء الأشياء أو الجزيئات (Particle Physics).
ومعلوم أن الإلكترون يلف حول النواة بعكس مدار الساعة ولما نظروا في دوران وحركة الجزيئات الصغيرة في النواة توصلوا إلى حقيقة مذهلة حيث أنها تتحرك يميناً أو شمالاً أو بدوران بحسب فكرة الباحث؛ ولذلك توصلوا إلى أن الفكرة تؤثر في حركة الجزيئيات الداخلية في النواة، وبالتالي فإن الفكرة بقوتها قد تؤثر في النواة، وإذا كانت أقوى أثرت بالذرة، وإذا كانت أقوى أثرت بالبيئة المليئة بالذرات، كما يحصل للنفس الحاسدة (العين) أو التخاطر أو الكشف أو السحر أو الإلهام أو غيرها من أمور، ولذا تدخلت فيها الاستخبارات ووكالات الفضاء حتى اشتهر من عملاء الـCIA جريل فلايم (الاسم الحركي).
وكان بتعلم هذه الطرق يكشف مواقع الروس النووية عن بعد!.. ثم أن الدراسات كشفت أن القدرات هذه ليست حكراً على أحد أو خاصية يتمتع بها أناس متميزون عن غيرهم، بل هي موجودة في معظم البشر، وأقل البشر، شريطة أن يدرك قدراته ويعرف الطرق لاستخدامها، ولعل أعجب القدرات على اختراق المادة بالنفس امتلكها الشاب (ماثيومانينغ) (Matthew Manning) فقد كان باستطاعته طوي الملاعق والسكاكين وتغيير شكلها بمجرد النظر، وكان ينظر إلى عقارب الساعة فيوقفها عن الحركة، ويستطيع إيقاف التيار الكهربائي، وثبتت لديه القدرة على التأثير في سريان الدم في الأوعية والشرايين وكذلك التأثير على مرض السرطان.
ويعرف عن نابليون بونابرت أنه كان ذو نظرة (حسد ثاقبة) فقد عرف عنه أنه إذا ثبّت نظره على خصمه سبب له متاعب كبيرة، وإذا نظر بنظرته الحاسدة إلى شيء ما حطم ذلك الشيء، أما أكثر هذه الحالات غرابة، وأكثرها مصداقية، وذات توثيق علمي، هي التجربة التي أجريت على (نيليا ميخايلوفا) التي كان باستطاعتها وبمجرد النظر من على بعد ستة أقدام أن تفصل بياض البيضة عن صفارها مستخدمة في ذلك مقدرتها الخاصة جداً في تحريك الأجسام المادية عن بعد، ودون أن تقربها، وقد أجريت هذه التجربة وسط حشد من العلماء بجامعة ليننجراد، وباستخدام آلات التصوير لتسجيل الحدث لحظة بلحظة وباستعمال العديد من الأجهزة التي تقيس الضغط والنبض وأنواع الإشعاعات التي تسود المخ أثناء التجربة(69).
أما الماء وكما هو معروف يتكون من ذرة من الأكسجين وذرتين من الهيدروجين، ويتكون جزيء الماء على شكل يشبه القضيب المغناطيسي يكون له قطب سالب وقطب موجب، ويدور جزيء الماء حول نفسه بسرعة كبيرة كما أنه يدور حول الجزيئات الأخرى على مسافات ثابتة عند درجات الحرارة الواحدة، وينشأ عن ذلك أنه في أي لحظة نرى مثلاً كوباً من الماء مليء بجزيئات الماء في مواضع مختلفة من حيث اتجاه الأقطاب السالبة والموجبة، وهذه الحالة تجعل للماء مقاومة ما للدخول إلى الخلايا والانسياب مع السيتوبلازم.
وقد أمكن في العصر الحديث إثبات أنه لو عولج الماء بطاقة تُبعث من مجال مغناطيسي مثلاً لأمكن انتظام جزئياته في اتجاه واحد بالنسبة للقطبين السالب والموجب وفي هذه الحالة أبدى الماء ظواهر غاية في الغرابة بالمقارنة به قبل التعديل، فقد أمكن استخدام هذه المياه في علاج العديد من الأمراض في الإنسان والحيوانات، كما أدت إلى زيادة نمو الدجاج وزيادة إنتاجه من البيض وأدت إلى تقصير مدة إنبات عدد كبير من بذور الخضروات والفاكهة والمحاصيل، كما زاد معدل النمو في النباتات وكذلك المجموع الخضري لها.
وأيّاً كانت التفسيرات التي سيقت في هذا المجال فإن وجود الطاقة لإعادة تنظيم جزيئات الماء في وضع معين يجعل هذا الماء ذو قوة انسيابية خاصة للمرور في بروتوبلازم الخلايا الحية، مما يحسن من طاقة الحياة بها ويصلح سلوكها الحيوي، وما هذا إلا تصور مبدئي يحتاج إلى دراسة التفاصيل(70).
وجه الإعجاز:
وجه الإعجاز في هذا الموضوع الشيق -والذي أخذ منا وكما لاحظت من الوقت الكثير من دون أن نشعر بذلك- فهو ما جاء من النصوص الصحيحة الصريحة في أمر الحسد والعين مقروناً بالكشوف العلمية الحديثة، التي أكدت بصورة قطعية ما تخفيه الأيام من أسرار وخفايا أثبتها النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، واليوم يأتي أرباب الاختصاص ليسجلوا لنا بعض تلك الحقائق الربانية المعجزة.
فقد جاء التوجيه النبوي الشريف ليدلنا على الحسد ويحذرنا منه إذا استشرى في النفس وصار داعياً صاحبه للشر، وكذلك الأمر بالنسبة للعين وما تحدثه في المعين، حيث كان التوجيه النبوي باستخدام الماء فوجد تفسيره العلمي الرائع حيث وعند إمراره على البؤر النشطة في الشخص العائن، بعد أن يعرف بما أحدثه في المعين، وبعد أن ينصح ويذكر بما سببه له فتعود الطاقة المنبعثة منه إلى وضع مفيد تؤثر على الماء الملامس له عند الغسل أو الوضوء، وخاصة غسل الوجه لإمرار الماء على بؤرة بين العينين، وعندما يستخدم هذا فيصب على جسد المعين ربما نقل هذه الطاقة إلى البروتوبلازم فأصلح ما كان قد فسد.
والذي نخرج به في النهاية هو أن العلم قد أثبت أن للحسد تأثير بعد أن يرى الحاسد ما يحزنه في حال المحسود، بخلاف العين فإنها تؤثر في المعين وإن لم يره العائن ولكن بوجود قدرات خفية وطاقة غير مرئية تبعثها البؤرة بين العينين، وأن الماء الذي يغتسل أو يتوضأ به العائن يفيد في إصلاح المعين وشفاء وعكته بإذن الله، وإن تركت التفاصيل والتفسيرات لبحوث علمية أخرى قد يأتي بها المستقبل القريب(71).
فيكون هذا الموضوع إعجازا ًربانياً وبرهاناً سماوياً على أن هذا الدين حق من عند الله الخالق أنزله على عبد أمي اختاره من البشر ليكون مبلغاً إلى الثقلين، وقد حوى هذا القرآن على أسرار، وجاء بأخبار لا يمكن لذلك الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم أن يتخيلها في عصره ولا بعد عصره حتى سخر الله لتلك العلوم رجالاً قد يكونوا من غير معتنقي هذا الدين ليؤكدوا لنا ويثبتوا بالحجة القاطة والدليل المحسوس صدق الوحي، وتميزه عن كلام البشر، فسبحان من أوحى فألهم وأخبر فلم يخلف وعده، وصدق الله حيث يقول في كتابه المبين: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].
إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي.
7/ 2007م.
____________________
(1) مفردات القرآن 1/ 320.
(2) الحسد بين الهدي النبوي والعلم الحديث للأستاذ الدكتور: خمساوي أحمد الخمساوي نقلاً من موقع:
55A.net
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 2253، برقم: 5717.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 2253، برقم: 5718.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه 11/ 175، برقم: 4058.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه6/ 2643، برقم: 6805.
(7) أخرجه مسلم في صحيحه1/ 135، برقم: 243.
(8) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 1719، برقم: 2188.
(9) سنن أبي داود 2/ 401، برقم: 3880 وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: صحيح 6/ 61 برقم: 2522.
(10) أخرجه الترمذي في سننه وقال: وهذا حديث حسن صحيح، 4/ 295، برقم: 2059 وقال الألباني في مشكاة المصابيح: صحيح 2/ 532، 4560.
(11) أخرجه مالك في موطئه 2/ 939، برقم: 1679، وقال الألباني في مشكاة المصابيح: صحيح، 2/ 532، برقم: 4562.
(12) لسان العرب 3/ 148.
(13) زاد المعاد 4/ 154.
(14) لسان العرب 7/ 358.
(15) تاج العروس1/ 4169.
(16) بدائع الفوائد 2/ 458.
(17) التحرير والتنوير 1/ 4938.
(18) مفردات القرآن 1/ 320.
(19) المصدر السابق.
(20) زاد المعاد 4/ 149
(21) الحسد بين الهدي النبوي والعلم الحديث للأستاذ الدكتور: خمساوي أحمد الخمساوي نقلاً من موقع:
55A.net
(22) التحرير والتنوير 1/ 4938.
(23) زاد المعاد 4/ 149.
(24) المرجع السابق.
(25) شرح صحيح مسلم 4/ 2274.
(26) مفردات القرآن 1/ 320.
(27) مجموع الفتاوى 10/ 121.
(28) أخرجه الترمذي في صحيحه، 3/ 303، برقم: 972 وقال الألباني في مشكاة المصابيح: صحيح، 1/ 346.
(29) بدائع الفوائد2/ 453.
(30) أخذا من موقع:
ط§ظ„ط¨ظˆط§ط¨ط©
(31) مفردات القرآن1/ 320.
(32) أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 2643، برقم: 6805.
(33) تفسير القرطبي 2/ 69.
(34) مفردات القرآن 1/ 320.
(35) الحسد، نقلاً عن لقط المرجان في علاج العين والسحر والجان
لقط المرجان
(36) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 2167، برقم: 5407.
(37) حلية الأولياء 7/ 90، وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة: حسن 3/ 250، برقم: 1249.
(38) أخرجه الترمذي في سننه 4/ 395، برقم: 2058، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في مشكاة المصابيح: صحيح، 2/ 533، برقم: 4563.
(39) زاد المعاد 4/ 149.
(40) تفسير أبي السعود 9/ 215.
(41) الكشاف1/ 1392.
(42) مفردات القرآن بتصرف، 1/ 320.
(43) بدائع الفوائد 2/ 459.
(44) الروح 1/ 252.
(45) أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 704، برقم: 1017.
(46) مجموع الفتاوى 28/ 150.
(47) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط 20/ 94، برقم: 183، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: صحيح، 3/ 436، برقم: 1453.
(48) مفردات القرآن بتصرف1/ 320.
(49) الاستقامة لابن تيمية 2/ 259.
(50) بدائع الفوائد 2/ 456.
(51) زاد المعاد بتصرف 4/ 149.
(52) بدائع الفوائد بتصرف 2/ 460.
(53) الحسد بين الهدي النبوي والعلم الحديث للأستاذ الدكتور: خمساوي أحمد الخمساوي نقلاً من موقع:
55A.net
(54) التحرير والتنوير 1/ 937.
(55) أخرجه الترمذي في سننه 1/ 164، برقم: 1412، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره، 3/ 17، برقم: 2695.
(56) أخرجه ابن حبان في صحيحه 10/ 466، برقم: 4606، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن، 3/ 61، برقم: 2886.
(57) أخرجه الطبراني في معجمه 8/ 309، برقم: 8157، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، حسن، 3/ 61، برقم: 2887.
(58) أخرجه البخاري في صحيحه، 3/ 1221، برقم: 3168.
(59) آثار الحسد وأضراره على الحاسد والمجتمع، نقلاً من موقع:
http://www.sudaneseinus.com
(60) تفسير الطبري 12/ 751.
(61) التحرير والتنوير 1/ 937.
(62) بدائع الفوائد 2/ 463.
(63) أخرجه الترمذي في سننه 4/ 667، برقم: 2516، وقال الألباني رحمه الله في مشكاة المصابيح: صحيح، 3/ 149، برقم: 5302.
(64) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 2/ 250، برقم: 716.
(65) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 293، برقم: 2669، وقال الألباني في الجامع الصغير وزيادته: صحيح، 1/ 1392، برقم: 13917.
(66) بدائع الفوائد 2/ 463، بتصرف.
(67) الحسد بين الهدي النبوي والعلم الحديث للأستاذ الدكتور: خمساوي أحمد الخمساوي نقلاً من موقع:
55A.net
(68) المصدر السابق بتصرف.
(69) من مقال بعنوان(من شر حاسد إذا حسد) أخذا من موقع:
http://www.alwatan.com/graphics
(70) الحسد بين الهدي النبوي والعلم الحديث للأستاذ الدكتور: خمساوي أحمد الخمساوي نقلاً من موقع:
55A.net
(71) المصدر السابق.