رد: حزب الرشاد السلفي يقدم رؤيته لجذور القضية الجنوبية ..
المرحلة الأولى: تبدأ عام 1967م.
توطئة:-
في عام 1839م اقتطع الاحتلال البريطاني الجزء الجنوبي من بلاد اليمن وأقام فيها المحميات ليتحرز بها من تمدد العثمانيين في شمال اليمن.
وعلى إثر انسحاب العثمانيين من اليمن ناشد قائد الجيش العثماني إمام اليمن باستلام ولاية لحج التي كانت بأيدي العثمانيين غير أن الإمام يحيى حميد الدين قد قابل هذا العرض بالتقاعس والعجز عن القيام بمسؤولياته تحاشيا من الدخول في صراع مع الانجليز وبسبب دخوله صراعات في مناطق أخرى ثم توالت الأحداث حتى نتج عن ذلك تداعيات أدت في محصلتها النهائية إلى تهيئة الظروف لإقامة تشطير اليمن إلى دولتين في شماله وجنوبه.
وملخص هذه المرحلة التي بدأت عشية استقلال جنوب اليمن 30/نوفمبر/1967م, والتي بدأ التحضير لها منذ منتصف الخمسينات على أيدي المناضلين من أبناء اليمن الذين قرروا مقاومة الاستعمار البريطاني سواء كانوا أفرادا أو منظمات تمخضت فيما بعد إلى كتلتين رئيسيتين وهما "جبهة التحرير" "والجبهة القومية" رافقهما علاقات تقترب أحيانا وتفترق وتتقاتل أحيانا أخرى ما أدى في نهاية المطاف إلى إقصاء جبهة التحرير وتشريدهم من أوطانهم.
سمات هذه المرحلة:-
1. انفراد الجبهة القومية واستلام سلطة الجنوب
وبذلك تكون الجبهة القومية قد انفردت بقيادة جنوب اليمن و ساعد على ذلك تسليم الحكومة البريطانية مقاليد الحكم للجبهة القومية مع معسكرات الجيش.
وبالتأكيد فإن اختيار البريطانيين للجبهة دون التحرير لم يكن عفويا أو بعيدا عن الأهداف السياسية التي تتمثل في مقاصد منها:-
1. إقصاء جبهة التحرير لعمقها الشعبي وتوجهها العروبي ذي الصلة بحركة القوميين العرب المدعومة من الرئيس جمال عبد الناصر.
2. إقامة نظام تشطيري وقطع الطريق أمام أي توجهات وحدوية نظراً لأن جبهة التحرير كانت على علاقة متينة مع القادة السياسيين في شمال اليمن, بينما كانت الجبهة القومية على خلاف ذلك.
3. تمكين الفريق الأضعف (الجبهة القومية) واستمرار التواصل ببعض أجنحتها التي ظلت على صلة موالية للنظام البريطاني.
4. تنازل الجبهة القومية عن استحقاقات فترة الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن.
5. نكاية البريطانيين بأبناء الجنوب لمساندتهم لثورة الاستقلال, وهي السياسة البريطانية مع مناطق متعددة في العالم الإسلامي {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ},
6. وجود تنسيق بريطاني سوفيتي في الوقت الذي لم تكن فيه العلاقة البريطانية الأمريكية على وئام, ما يعني أن تسليم السلطة لجبهة التحرير قد يتجه بالمسار السياسي نحو التوجه الأمريكي أسوة بدول المنطقة التي كان لجبهة التحرير علاقاتها الدولية المتميزة بمحيطها الإقليمي.
2. سياسة الاستبداد والإقصاء.
قامت الجبهة القومية على سياسة الاستبداد والإقصاء لكل من خالفها من أتباعها فضلا عن من عارضها من خارجها ومن ذلك:-
أ. إقصاؤها لجبهة التحرير من المشهد السياسي.
ب. إبعاد السلاطين والشخصيات الاجتماعية والتخلص منهم.
ج. إقصاؤها للرئيس قحطان الشعبي وإيداعه السجن ومن معه بعد سنة وبضعة أشهر.
د. تصفية الرئيس سالم ربيع علي (سالمين) عام 78م ومن معه بناء على رؤى واختلافات فيما بينهم.
ه. الاستمرار في الصراعات ومواصلة سلسلة الإقصاءات والتصفيات إلى أن جاءت القاصمة في أحداث يناير 86 م.
3. سياسة الارتهان للخارج.
ونتيجة لهذا التوجه الماركسي للحزب الحاكم فقد وضع جنوب اليمن بإرادته السياسية وموارده الاقتصادية وقوته البشرية ومياهه الإقليمية تحت تصرف ونفوذ الاتحاد السوفيتي دون مقابل يذكر أو انتفاع لأبناء جنوب اليمن سوى المديونية بمليارات الدولارات للسوفيت التي تحملتها دولة الوحدة فيما بعد. وبهذه السياسة تحولت المنطقة من احتلال بريطاني إلى نفوذ سوفيتي أسوأ بكثير من سلفه.
4. سياسة تأميم الممتلكات
قام النظام الاقتصادي في جنوب اليمن منذ عام 69م على النظرية الاشتراكية في التملك والثروة والإنتاج حتى غدا منفردا في محيطه الجغرافي منعزلا عن دول الجوار في سياستها الاقتصادية الحرة وقد نتج عن ذلك نظرية التأميم الزراعي والعقاري خلال عامي 72-73م وتأميم الممتلكات التجارية والصناعية لملكية الحزب أعقب ذلك نزوح وهروب أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد بعد أن كانت عدن أهم وأبرز المراكز التجارية في جزيرة العرب.
وهكذا استمرت الأحوال في التدهور الاقتصادي على مستوى الفرد يوما بعد يوم مع انعدام أي جهود لعمليات البحث والتنقيب عن الثروة, واكتفت ببعض المنتجات الزراعية وشيء يسير من الثروة السمكية التي أدت إلى أن يعيش المواطن على مستوى زهيد في شتى مناحي الحياة مع انخفاض حاد للدخل الفردي وانسداد آفاق الأعمال المهنية الحرة التي كان لها بالغ التأثير على الناس بعد قيام الوحدة.
لهذه الأسباب وغيرها كان لا بد من التعجيل والسير قدما إلى تحقيق الوحدة اليمنية.
5. سياسة فصل الدين عن الدولة والحياة.
يعتبر التدين في جنوب اليمن ضارباً في القدم منذ ظهور نور الإسلام في اليمن, وقد استمرت العقيدة الإسلامية يتوارثها الناس جيلا بعد جيل حتى غدت جنوب اليمن منطلقا للدعوة الإسلامية في الهند وإفريقيا وجنوب شرق آسيا عبر المهاجرين من أهل حضرموت الذين نشروا تعاليم الإسلام في تلك البلاد التي يتواجد فيها ما يزيد على خمسمائة مليون مسلم.
لكن نظام الحكم الشمولي في جنوب اليمن -مع كل أسف- قد تجاهل هذا الموروث الحضاري حينما أعلن التوجه الماركسي عام 69م واتجه إلى فرضه ونشره بشتى الأساليب التي كانت محل استياء وسخط ومقاومة أبناء الشعب في جنوب اليمن .
وكان من آثار هذا التوجه أن تم فصل الدين عن الدولة والحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
وتبع ذلك ما قامت به السلطة من قتل وسحل وتشريد المئات من العلماء والخطباء تحت شعار "الموت للكهنوت, ومحاربة الرجعية" ومورست أخطاء شنيعة بحق أبناء جنوب اليمن حيث غيبت أحكام الشريعة الإسلامية عن الدولة وسياسة الحكم, وشرعت أحكام للأسرة تخالف الإسلام, وعادات وتقاليد وقيم المجتمع ومنعت الدروس والندوات الإسلامية من المساجد وكممت أفواه العلماء والمصلحين, وحوربت كتب الثقافة الإسلامية ومنع استيرادها واعتبرت مادة الدين في المناهج الدراسة من المواد الهامشية والثانوية في الوقت الذي قاموا فيه بتدريس النظريات الشيوعية والماركسية, والاشتراكية العلمية والترويج لها, وحورب الحجاب ومنع في المدارس الثانوية والجامعية, والوظائف العامة.
كل ذلك وغيره مما لم يذكر قد أدى إلى قطيعة حقيقية بين الشعب والسلطة التي لا يربطهم بها سوى آلية القمع والإرهاب مما جعل الشعب ينتظر يوم الخلاص من هذه الأوضاع المأساوية.
6. انتهاك الحقوق والحريات
وأما البعد الحقوقي للقضية الجنوبية في هذه المرحلة فقد أصيب في مقتل بسبب السياسة الخاطئة التي انتهجها الحكم الشمولي في تلك المرحلة.
فالحقوق السياسية والتعددية ذهبت أدراج الرياح وكرس في هذه الحقبة لا صوت يعلو فوق صوت الحزب نظريا وعمليا ويكفي لمعرفة هذه الحقيقة أن نقرأ النص الدستوري في دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبة المادة رقم (3) :" الحزب الاشتراكي اليمني المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة وهو الذي يحدد الأفق العام لتطوير المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية للدولة ويقود الحزب الاشتراكي اليمني نضال الشعب ومنظماته الجماهيرية نحو الانتصار التام لإستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية وصولا إلى بناء الاشتراكية وتعمل جميع منظمات الحزب في إطار الدستور"
وجرم على إثر ذلك أي نشاط سياسي خارج منظومة الحزب وطورد السياسيون وحوكموا محاكمة غير عادلة وعذب كثير منهم وقتل آخرون دون أن يعلم ذووهم عن مصيرهم إلى الآن.
وكذا الحقوق المدنية والاجتماعية وغيرها أصابها ما أصابها من الحظر خارج إطار الحزب وصودرت الحريات المخالفة للحزب, ومورس الاضطهاد الفكري والثقافي والأدبي على المخالفين لتوجه الحزب.
وهكذا الحقوق الشخصية المتعلقة بالتملك والاستثمار والتنقل والأسفار انتهكت وصودرت مع ما صاحبها من ترويع الآمنين والمداهمات الليلية والقتل خارج إطار القانون والقضاء.
كل هذه الممارسات وغيرها قد أسهمت في الترقب لساعة التولي من هذه المرحلة.
7. العداء والصراع مع المحيط الإقليمي.
اتسمت السياسة العامة والعلاقات الخارجية في تلك الحقبة بأنواع من الصراعات مع المحيط الإقليمي سواء في دول الخليج كسلطنة عمان والسعودية تحت شعارات محاربة الامبريالية وتصدير الثورة الاشتراكية العلمية أو القرن الإفريقي أو الشطر الشمالي لليمن فيما يعرف بالجمهورية العربية اليمنية التي خاض الحكم الشمولي معها حروبا متعددة وما صاحب تلك المرحلة من تصدير للفكر اليساري عبر آلة القتل إلى المحافظات الشمالية فيما عرف بمرحلة التخريب ونتج عن ذلك أحداث مؤلمة من قتل وإعاقة وترويع الآلاف في المناطق الوسطى وغيرها, عبر وسائل غير إنسانية كزراعة الألغام وتسميم الآبار وغير ذلك من الوسائل البشعة.
|