ومنذ إختطاطها أتخذها على محمد بن زياد عاصمة للدولة الزيادية “أول دولة أسلامية يمنية”. وقد ظلت عاصمة ومركز حكم للدويلات المتعاقبة مثل الدولة النجاحية والمهدية، ثم عاصمة شتوية ومركز علم وثقافة فى عهد الدولة الأيوبية والرسولية والطاهرية فى عهد المماليك، ثم أصبحت بعد ذلك مركزاً إدارياً وثقافياً منذ قدوم الأتراك حتى اليوم.
ونظرا لمكانتها العالمية فقد أصدرت منظمة اليونسكو عام 1993 قرار باعتبار المدينة معلما حضاريا تاريخيا ضمن معالم التراث الإنسانى العالمي. وفى مارس-آذار من العام 1998 صنفت ضمن المدن التاريخية العالمية
يحيط بالمدينة القديمة سور من الياجور شيد فى القرن الثالث الهجرى فى عهد الأمير سلامة. ولقد جدد هذا السور وأضيفت إليه إضافات أخرى فى عهد الدويلات التى تلت، حتى هدم فى عهد الدولة العثمانية 1045هـ، ثم أسند بنائه للقاضى الحسن بن عقيل الحازمى قاضى زبيد فى عام 1222هـ.
وتوجد للمدينة خمسة أبواب هى باب سهام فى الشمال والشبارق فى الشرق والقرتب فى الجنوب و النخيل فى الغرب وباب النصر فى الجنوب الشرقى حيث القلعة المعروفة بدار الناصرى الكبير والتى أنشأت فى عهد الملك الناصر الرسولى على أنقاض قصور الزياديين والرسوليين فى عام 828هـ .
وعن سور وأبواب المدينة يتحدث الدكتور عبد القادر سلمان المعاضيدى الأستاذ بكلية الآداب والعلوم بجامعة الشارقة فيقول”لقد كان سور مدينةزبيد الخارجى يضم أربعة أبواب كانت تمثل أربعة اتجاهات جغرافية، إلا أن المصادر زودتنا بأسماء أبواب أخرى كانت قائمة على أسوار المدينة، وأغلب الظن أن سبب ذلك يرجع إلى تغير كان قد حصل فى أسماء تلك الأبواب، فقد أشارت المصادر إلى أن باب النخل الذى كان ينفذ إلى المغرب والذى سمى نسبة إلى نخل وادى زبيد، كان قديماً يسمى باب غلافقة نسبة إلى ميناء غلافقة الذى كان يقع على ساحل البحر الأحمر وهذه الأبواب هي:
باب سهام: يقع شمال زبيد وقد سمى نسبة إلى وادى سهام الذى يقع إلى الشمال من المدينة ويبدو أنه كان الباب الرئيسى فى المدينة فقد ذكر ابن الديبع أنه كان وجه المدينة وغرتها. باب القُرتب: وهو الذى ينفذ من سور المدينة إلى وادى زبيد الذى يقع إلى الجنوب ثم إلى قرية القرتب وهى إحدى قرى وادى زبيد المشهورة.
باب الشبارق: يقع شرق المدينة وقد سمى باسم قرية الشبارق التى تقع إلى شرق زبيد، وهى إحدى قرى وادى زبيد المشهورة.
باب النخل: يقع غرب المدينة وقد سمى نسبة إلى نخل وادى زبيد، وكان قديماً يسمى باب غلافقة نسبة إلى ميناء غلافقة الذى كان يقع على ساحل البحر الأحمر. باب عدن، باب هشام: والراجح أن اسم هذا الباب الذى ورد عند المقدسى هو تحريف لباب سهام”.
عندما اختط محمد بن زياد مدينةزبيد بنى جامعها الكبير وكان يسمى بجامع المدينة و يعود الجامع فى تأريخه إلى ما قبل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادى وقد مرت عمارته بعدة تجديدات وإضافات خلال العصور الإسلامية المتعاقبة فقد جدده الحسين بن سلامة سنة391 هـ-1000م ثم تعرض للهدم فى ما بعد وأعيد بناؤه، وفى زمن سيف الإسلام طغتكين سنة “582 هـ 1186م” جدد كذلك، وبقى على حاله حتى زمن السلطان عامر بن عبد الوهاب فهدم وأعيد بناؤه من جديد سنة 897 هـ 1491م على يد المعمار المعلم على بن حسن المعمار.
وفى وصف لعمارته هذه يذكر ابن الديبع بأنه رفع عن الأرض نحو سبعة اذرع، وجعل الجناحين والمؤخرة تطل على الصحن من خلال عقود واسعة تعتمد على أعمدة مبنية من مادة الآجر والنورة، ووسع الرواق القبلى وعنى بزخرفة سقفه عناية فائقة وجعل فى مقدمه قبتين كبيرتين شرقية وغربية زخرفتا بزخارف الذهب والازورد، وكان فية “270 عقدا” و “90 عمودا خشبيا” و “140 دعامة” ومن القباب “12 قبة” ومن الأبواب “13 بابا”.
ومن أهم مساجد زبيد جامع الأشاعر والذى يعتبر من العمائر الدينية المهمة فى زبيد ويذكر ابن الأثير انه قد تم تأسيسه فى عام 10هـ 631م فى حين تشير مصادر أخرى إلى انه أسس سنة 8 هـ على يد جماعة من قبيلة الأشاعرة ومنهم أبو موسى الأشعرى لذا نسبت تسميته إلى تلك القبيلة. وقد مرت عمارة الجامع بمراحل عديدة إذ جرت عليه تجديدات خلال حكم الدولة الزيادية وفى عام 832 هـ 1428م عمره الأمير سيف الدين برقوق الظاهرى وفى عهد السلطان عامر بن عبد الوهاب هدم الجامع سنة 897 هـ 1491م وأعيد بناؤه من جديد حيث أولى السلطان عامر الناحية العلمية اهتماما كبيرا واهتم بعمارة المبانى الدينية وكان التعليم فى زمنه يتم فيها إذ كثير ما كان الطلبة يتجمعون بجامع الأشاعر لقراءة صحيح البخارى كما احتفل بختم القرآن فيه سنة 916 هـ 1510م.
لقد أنشئت فى مدينةزبيد العديد من المساجد و المدارس الدينية والتى درس فيها بجانب علوم الفقه واللغة علوم الطب والفلك والزراعة والكيمياء والجبر والحساب والمساحة وغيرها من العلوم.
فقد كان لزبيدمدينة العلم والعلماء السبق العلمى من بين مدن اليمن، فقد نشأت فيها أول مدرسة فى اليمن وكان ذلك فى أواخر حكم الدولة الأيوبية 569- 626 هـ 1173-1229م.
وعلى أيام الملك المعز إسماعيل ابن طغتكين بن أيوب حيث شرع ببناء أول مدرسة فى زبيد عام “594 هـ-1197م وسميت بالمدرسة المعزية ثم انتشرت المدارس بشكل سريع أيام الدولة الرسولية “626-858 هــ 1229- 1454م. حيث احتلت مدينةزبيد مركزاً ثقافياً عالى المستوى فى الربع الأخير من القرن الثامن الهجرى بعد أفول أو تضاؤل أهمية المراكز الفكرية والثقافية فى العالم الإسلامى مثل بغداد ودمشق والقاهرة وأُحصيت المؤسسات الثقافية فيها فى أواخر القرن الثامن الهجرى فبلغت مائتين وبضعاً وثلاثين موضعاً على ما صرح به الخزرجى ” ت812هـ” ومن بعده ابن الديبع الشيبانى “944هـ” وهذا العدد يشير بجلاء إلى أهميتها من الناحية الفكرية فى الحقبة التى تولى فيها الملك الأشر ف إسماعيل الغسانى “803هـ” أمور الدولة الرسولية.
ويقول الباحث الزبيدى محمد بن محمد مطه: “لا يزال يوجد فى زبيد اليوم - أكثر من ستة وثمانين مسجداً ومدرسة علمية بكامل هيئاتها ومرافقها. وهى المدارس والمساجد التى شكلت مؤسسات زبيد التعليمية والعلمية عبر التاريخ الإسلامي.
وكانت مصدر تخريج العلماء و الأئمة وكبار الشعراء والأدباء على امتداد الساحة اليمنية والعالم الإسلامي. وذلك من خلال العديد من مصنَّفاتهم ومؤلفاتهم وكتبهم التى مثـَّلت أساسا مرجعياً للفكر العربى والإسلامي”.
نظرا للمكانة العلمية الكبيرة التى حظيت بها زبيد فقد أصبحت مهوى أفئدة العلماء من كل حدب وصوب ومحط رحالهم الأمر الذى جعلها مرتبطة بالعديد من الأسماء الهامة فى مختلف الجوانب العلمية ويعتبر معجم “تاج العروس” من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدى إحدى النتاجات العلمية الخالدة التى أبدعتها زبيد فقد مثل هذا المعجم كما يقول الباحثون ذروة نتاج المعاجم اللغويّة.
يــــــــــتــــــــبـــــــع