عرض مشاركة واحدة
قديم 05-25-2008, 05:11 AM   #6
مراقب عام
 
الصورة الرمزية البدوي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 6,296
معدل تقييم المستوى: 1234
البدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond reputeالبدوي has a reputation beyond repute
افتراضي

اليمن في عصر الدولة الطاهرية


ورثت الدولة الطاهرية مناطق نفوذ الدولة الرسولية وهي معظم اليمن باستثناء مناطق الجبال الشمالية التي تنافس عليها الأئمة الزيديون. والموطن الأصلي لبني طاهر هو منطقة جبن من بلاد رداع حيث كانت لهم الرياسة فيها، وقد توطدت العلاقة بين بني طاهر ودولة بني رسول في أواخر الدولة الرسولية بمصاهرة تمت عام 836 هـ/ 1432م بين الملك الظاهر الرسولي وابنة كبير آل طاهر الشيخ طاهر بن معوضة، ثم صار آل طاهر ولاة لآل رسول في جهاتهم ، بل وامتد حكمهم إلى عدن في فترات لاحقة، وعندما أيقن آل طاهر من أن أمر الرسوليين إلى زوال لا محالة أعدَّ الشيخ علي بن طاهر بن معوضة الملقب بالمجاهد الذي سيقدر له مع أخيه عامر الملقب بالظافر أن يكون أول ملوك دولة الطاهريين - حملةً لحرب الملك الرسولي المسعود في عدن، ولكنه عاد من حملته خائباً ولم يتمكن من القضاء على خصمه المسعود ، ثم أعد نفسه إعداداً أفضل فكرر حملته على عدن في العام 858 هـ/ 1453م وتمكن هذه المرة من طرد المسعود منها فتوجه إلى بلاد موزع ومنها إلى مدينة حيس بصحبة المماليك الذين أرادوا دخول عدن ثانية معه لكنه خلع نفسه هناك كملك ، ليبقى في الساحة الملك المؤيد الذي دخل عدن إثر انسحاب الطاهريين الطوعي منها إلى المقرانة مقر حكمهم لمزيد من الاستعداد ، ثم أعادوا الكرة الأخيرة في شهر رجب من العام نفسه وتمكنوا من دخول عدن وأسر المؤيد هناك آخر ملوك دولة بني رسول، وكان الأخوان المجاهد والظافر من آل طاهر يحكمان معا دون تقدم أحدهم على الآخر.

وقد أمضى الطاهريون سني حكمهم كغيرهم من الدول التي سبقتهم في تثبيت حكمهم في تعز وعدن وجهات تهامة حيث المماليك يفرضون إرادتهم هناك بالتعاون مع بعض القبائل كالمعازبة ، كما مد الطاهريون سلطتهم إلى الشحر في حضرموت بعد أن حاول ملك الشحر غزو عدن فردوه على أعقابه ووليها بالنيابة عن الطاهريين أسعد بن إسماعيل النهمي، بل وتمكن من السيطرة على صنعاء وثبت فيها نائباً له، في وقت كان الأئمة الزيديون فيه في حالة كمون إثر صراعاتهم الدامية فيما بينهم. ولم يلبث أن نشطوا ثانية فسيطروا على جهات متفرقة، وكانت صنعاء خاضعة لنفوذ الإمام المؤيد ، وهو ما دعى الملك الطاهري الظافر إلى التحرك صوب صنعاء لاستعادتها وفي المجابهة بين قوات الظافر والأمير الزيدي على صنعاء سقط الملك الظافر قتيلاً في الميدان عام 870 هـ / 1466م ، وهو ما أقنع أخوه الملك المجاهد بالتخلي عن طموحه للاستيلاء على صنعاء، فتركها وما حولها للأئمة الزيديين الذين رغبوا هم أيضاً عن مد نفوذهم إلى الجهات السفلى من اليمن. وبعد الملك المجاهد الذي وافته منيته عام 883 هـ/ 1478 م بعد حكم دام خمسة وعشرين سنة قضاها في توطيد الحكم ومقاتلة المتمردين- سلم الحكم لابن أخيه عبد الوهاب بن داود الطاهري الملقب بالمنصور وفي عهده انتقلت عاصمة الطاهريين من جبن برداع إلى عدن حيناً وتعز حيناً آخر. أمضى الملك المنصور أحد عشر عاماً في الحكم صرف معظمها في تثبيت حكمه في جهات تهامة بالذات حيث قام بتصميم نظام لتوزيع مياه وادي زبيد بالعدل كما بنى عدداً من المدارس والمساجد وأصلح ما تخرب منها .

وخلف الملك المنصور عبد الوهاب ابنه عامر الذي لقب بالظافر وقد لقي معارضة من أسرته فجرت حروب كثيرة بينهما سيطر خصومه خلالها على حصن جبن ، وأخذ عامر بن عبد الوهاب يجيش من مقره في تعز ضد خصومه وكانت الغلبة له في كل المعارك التي استنزفت الجانبين رجالاً ومالاً ، وتمكنت خلال هذه الحرب القبائل التهامية من استغلال الضعف والتمرد ثانية على الدولة الطاهرية، لكنها اضطرت للخضوع ثانية بعد أن وجه إليها الملك عامر بن عبد الوهاب جيشاً قضى على كل تمرد فيها فأمنت السبل وعم السلام، وأخذ الملك عامر بن عبد الوهاب يطمح في السيطرة على صنعاء وتوحيد اليمن تحت حكمه، فتقدم إلى ذمار التي اعتبرت مدخلاً للسيطرة على البلاد الواقعة تحت حكم الأئمة الزيديين وتمكن من الاستيلاء عليها عام 897 هـ / 1491 م وبعد أن وطدَّ أقدامه في ذمار والجهات الساحلية تحرك الملك عامر بن عبد الوهاب عام 910 هـ / 1504 م نحو صنعاء بجيش ضخم جداً تمكن به من حصار صنعاء ودخولها بعدئذٍ دخول الفاتحين ، ووقع الإمام الوشلي، الذي يسميه مؤرخ الرسوليين ابن الديبع ، رئيس أهل البدعة ومؤسس الفتنة، وقع مع أمراء حربه أسرى ونقلوا إلى تعز حيث حددت إقامتهم ، أما الملك الطاهري فقد أقام في صنعاء يسير أمورها ويخضع ما تبقى من حصونها وقلاعها ليسيطر على معظم اليمن، وعاد إلى تعز في العام التالي ، في الوقت الذي أعلن فيه طامح جديد من الأئمة هو الإمام شرف الدين نفسه إماماً جديداً وأخذ يدعو لنفسه في منطقة الجبال بحجة ويبحث عن الأعوان لحرب الطاهريين الذين اعتبرهم أعداء جائرين لله، بل أنه أخذ بمراسلة من سماهم الغزاة الكرماء وهم المماليك الشراكسة الذين أخذوا يجوبون البحر الأحمر وسواحل اليمن لمجابهة قوة البرتغاليين النشطة هي الأخرى في سواحل البحر الأحمر والعربي والتي أخذت تهدد عدن وجزيرة كمران .

وقد لعبت رسالة الإمام شرف الدين لقائد قوات المماليك حسين الكردي المرابط في جزيرة كمران دوراً في التعجيل بنهاية الطاهريين، فقد طلب القائد المملوكي من الطاهريين أن يجهزوا معه قوة لمحاربة البرتغاليين الغازين للسواحل الإسلامية، إلا أن الطاهريين رأوا عدم إجابة هذا الطلب، وعلى إثر ذلك قرر المماليك النزول بقواتهم إلى السواحل اليمنية لمقاتلة الطاهرية وهو بالضبط ما أراده الإمام شرف الدين ، وقد نزل المماليك إلى الساحل اليمني بأسلحتهم الجديدة مثل المدافع والبنادق والتي لا عهد للناس بها وهي البنادق التي وصفها ابن الديبع ووصف فزع الناس منها، ودارت الحرب بين الطاهريين من جهة والمماليك ومن تعاون معهم مثل الإمام شرف الدين وبعض القبائل من جهة أخرى، وقد كانت المعارك مع ما يرافقها من سلب ونهب سجالاً تخللتها حالات مفاوضات وصلح قصير الأمد، مع خلافات بين أفراد القوة الغازية ، وكانت ساحات القتال بلاد تهامة وتعز ورداع والمقرانة وصنعاء .

وكانت آخر المعارك بين الطاهريين وخصومهم من الغزاة وأعوانهم قرب صنعاء لقي فيها الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب حتفه وذلك عام 923 هـ/ 1517 م ، بعد حكم دام ثلاثة عقود لتنتهي بموته الدولة الطاهرية بعد خمس وستين عاماً، ولم يبقى من الدولة الطاهرية إلا جيب عدن الذي تمكن الأمير عامر بن داود الطاهري من الاحتفاظ به حتى قضى عليه الأتراك بعدئذ، ومن أبرز منجزات الظافر عامر بن عبد الوهاب المعمارية بناؤه لمسجد العامرية في رداع والذي ألحق به مدرسة أخذت تواصل نشر العلم بعد أن جلب إليها العلماء من كل مكان، ولا يزال هذا المسجد بزهوه الفني المعماري قائما إلى اليوم ، خاصة بعد ترميمه في السنوات الأخيرة وهو ما أعاد إلى المسجد رونقه وبهاءه.


بعد القضاء على الدولة الطاهرية تغيرت الأحلاف وموازين القوى وأخذ الإمام شرف الدين يقاتل حلفاء الأمس من المماليك الذين أسماهم قبلاً " غزاة كرماء ". ويتحالف مع والي الدولة الطاهرية في ثلا، في حين تحالف الأشراف الحمزات مع المماليك نكاية بالإمام شرف الدين، وقد ضعفت معنويات الجند المماليك كثيراً بسبب سقوط دولتهم في مصر على يد الأتراك العثمانيين بعد قليل من القضاء على الدولة الطاهرية في نفس العام 923 هـ/1517م ، مما اضطر المماليك في اليمن إلى الاعتراف بالسيادة العثمانية، وهكذا دخلت اليمن تحت السيادة العثمانية عبر تبعيتها السابقة للمماليك، لكن العثمانيين أنفسهم لم يصلوا اليمن إلا عام 945 هـ/ 1538 م وهي حملتهم الأولى إلى اليمن بعد أن وضحت لهم أهمية موقع اليمن الإستراتيجي المطل على البحر الأحمر وبحر العرب، في إطار صراعهم كقوة دولية مع القوة البرتغالية البحرية المتنامية في المحيط الهندي وبحر العرب ،والتي أخذت تحول الطريق التجاري من البحر الأحمر عبر رأس الرجاء الصالح مع ما يتبع ذلك من خسائر في عائدات الموانئ الخاضعة لسيطرة العثمانيين .

أما مصير المماليك في اليمن قبل قدوم العثمانيين فقد آل إلى قوة صغيرة منحصرة في زبيد بعد أن تمكن الإمام شرف الدين بمعارك طاحنة مع المماليك من مطاردتهم مهزومين حتى زبيد. وقد تولى قيادة الحملات الحربية المطهر ابن الإمام شرف الدين، أحد فرسان الحرب المرموقين في هذه الفترة ،والمتصف مع ذلك بالقسوة والجبروت إلى حد أن أباه الإمام شرف الدين برأ إلى الله أمام الملأ من بعض أفعاله. لقد حصر نفوذ المماليك في زبيد، لتقضي عليهم بعدئذ القوة التركية الغازية، وليجد الإمام شرف الدين، الذي كان قد ضم معظم اليمن من عدن إلى صعدة تحت حكمه- نفسه وجها لوجه مع العثمانيين .

وابتداء من هذه الفترة التي تولى قيادتها الإمام شرف الدين وحتى قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962 م تنسحب الأحداث التاريخية الكبرى وزمام المبادرة من المناطق الجنوبية السهلية لليمن لتتركز في الجهات الجبلية الشمالية بزعامة الأئمة الزيديين وأتباعهم في اليمن الأعلى ، وإلى جانب عدد كبير من الأئمة الطامحين تمكنت فقط أسرتان من الأسر الهاشمية من تحقيق السيادة والنفوذ ، وإن كان ذلك بشكل متقطع ، وبين وهن وقوة ، هما: أسرة شرف الدين، وأسرة آل القاسم. وفي فترة الوجود العثماني الأول في اليمن كان الإمام شرف الدين وابنه المطهر رجلا المرحلة ، فخاضا حرباً ضروساً ضد العثمانيين ، كان يمكن أن تكلل بالنجاح سريعاً لولا التنافس على النفوذ داخل أسرة شرف الدين الذي أسهم في طول هذه الحرب وبقاء الأتراك في اليمن ، إذ قامت المنافسات بين الإمام شرف الدين وابنه المطهر وفيما بعد بين المطهر وإخوته لينقسم معسكرهم بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك . وأخذت القوى القبلية تحاول الحصول على مساحة نفوذ تتحكم فيها، إلى جانب منافسات أئمة آخرين لآل شرف الدين، وقد أدت هذه المنافسات والحروب إلى الاستعانة بالعثمانيين لترجيح الكفة ضد المنافسين، ومع ذلك فقد كان الأئمة الزيديون في هذه الفترة إجمالاً هم القوة المهيمنة والمتصدرة لعظائم الأمور ضد هيمنة الأتراك العثمانيين، وكان آل كثير في حضرموت قد استغلوا الفراغ السياسي في جهاتهم وكونوا الدولة الكثيرية بزعامة السلطان بوطويرق 844 – 915 هـ /1438- 1510 م ، وهكذا كانت اليمن في هذه الفترة موزعة بين ثلاث قوى:الأتراك في الجهات الغربية، والأئمة من بيت شرف الدين في الجهات الشمالية، وآل كثير في حضرموت .

وبوفاة المطهر بن شرف الدين زعيم الجبهة الزيدية وقائد المقاومة عام 980 هـ / 1572 م ينتهي دور آل شرف الدين لتعقبهم فترة تدهور للمقاومة ضد الأتراك تستمر ربع قرن ليظهر الإمام القاسم بن محمد ، قائداً لثورة عارمة ضد العثمانيين وليؤسس لجيل جديد آخر من الأئمة الزيديين سيستمر في الحكم بين مد وجزر حتى زمن الثورة الجمهورية عام 1962م، وقد تميز تاريخ الفترة اللاحقة بالنضال الدؤوب من قبل اليمنيين جميعاً بزعامة الأئمة من بيت الإمام القاسم بن محمد الذي تمكن من فرض صلح مع الوالي العثماني محمد باشا يحق للإمام بمقتضاه من حكم المناطق الشمالية لصنعاء على المذهب الزيدي المخالف لمذهب العثمانيين السني الحنفي ، وبعد وفاة الإمام القاسم عام 1029هـ/ 1620 م يخلفه ابنه محمد الملقب بالمؤيد وهو الذي تمكن بعد انتقاض الصلح بين الطرفين من مقارعة الأتراك ليتم طردهم نهائياً من اليمن عام 1045هـ/ 1635 م ولتكون بذلك اليمن أول ولاية عربية تخرج عن فلك الدولة العثمانية ، والتي ستعود إلى اليمن ثانية عام 1266 هـ / 1848 م أي بعد أكثر من قرنين من الزمان .

وبخروج الأتراك تمهد الطريق لتوحيد اليمن للمرة الثالثة في الزمن الإسلامي ، وكان الموحد هذه المرة المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم أخو المؤيد السالف الذكر، إذ قام بتجهيز الحملات على المناطق الشرقية من اليمن والتي خرجت قبل ذلك مستغلة حالة الضعف والاقتتال بين الأئمة، كما وصلت قوات الإمام إلى يافع لإخضاعها ثانية، وعندما علم الكثيري سلطان حضرموت بما حل بأهل يافع راسل الإمام معلنا الدخول في طاعته، كما دخلت في طاعته جهات ظفار الحبوضي الواقعة اليوم في بلاد عمان. وبهذا الامتداد باستثناء مكة يكون اليمن قد توحد من أقاصي الجنوب والشرق إلى أقاصي الشمال، كما كان الحال أيام الرسوليين والصليحيين ، ونلفت الانتباه إلى أن سبب غياب ذكر بلاد المهرة في الشرق وبلاد عسير بمدنها في الشمال راجع إلى أن بلاد المهرة كانت جزءاً من حضرموت، مثلما كنت بلاد عسير ومدنها تابعة لصعدة كمركز ديني وإداري .

وقد شهد حكم المتوكل على الله إسماعيل الممتد لثلاثين عاماً في معظمه قدراً من الاستقرار السياسي مكن من ازدهار الزراعة والتجارة والفكر والثقافة ليستحق بعدئذٍ وصف المؤرخين له بأنه أفضل عصور اليمن الحديثة على الإطلاق .

وخلف المتوكل إسماعيل في سُدَة الإمامة اثنين من أسرة آل القاسم هما: أحمد بن الحسن الملقب بـ(سيل الليل)، ومحمد بن المتوكل والذي امتد حكمهما لعشر سنوات، ثم اعتلى الحكم طامح جديد من أبناء الجيل الثالث هو محمد بن أحمد بن الحسن المعروف بـ(صاحب المواهب)، نسبة إلى قرية قرب ذمار كان قد اتخذها مقراً لحكمه. وفي زمن صاحب المواهب هذا شهدت اليمن حالات متتابعة من الحروب والانقسامات داخل بيت القاسم لأكثر من ثلاثين عاماً سببها الطموح إلى السلطة والنفوذ وخيراتهما، وقد شكل مبدأ الخروج على الظلم كما يرى المذهب الزيدي غطاءً شرعياً لتحقيق تلك الطموحات في النفوذ والسلطة، وقد أراقت تلك الحروب كما أسلفنا كثيراً من الدماء وأهلكت كثيراً من الزرع والضرع ، وبعد صاحب المواهب عرفت اليمن سلسلة من الأئمة من بيت القاسم وشهد هؤلاء طموحات أئمة آخرين تفاوتوا في القوة والضعف وإحراز المكاسب، بالإضافة إلى تمردات القبائل ، ثم اعتلي عرش السلطة المهدي عباس بن المنصور 1161–1189م الموافق 1748– 1775م وهو الإمام العاشر، وقد تميز المهدي بكفاءات وقدرات أهلته لإعادة مركزية الدولة وحكم معظم مناطق اليمن من صنعاء العاصمة كل الربع الثالث من القرن الثالث عشر الهجري -الثامن عشرالميلادي، ولا يعني هذا أن أحداً لم يخرج عليه، ففي تاريخ الأئمة كان هناك على الدوام من لا يعترف بحكم الإمام المبايع فيدعو لنفسه، بل هناك أئمة يدعون لأنفسهم ، وإلى جانب طموحات الأئمة ، شهد حكمه غارات القبائل على أنحاء من تهامة واليمن الأسفل بقصد السلب والنهب، فعاثت فساداً في الديار الآمنة. لكن الإمام المهدي تمكن بالسياسة حيناً وبالقوة أخرى وبمعاونة أهل العلم وأبرزهم في زمانه وأكثرهم نشاطاً علمياً وسياسياً في سبيل العلم والناس العلامة ابن الأمير المتوفى 1182هـ/1768م والإمام المهدي هذا هو الذي زاره الرحالة الألماني كارستن نيبور عام 1177 هـ/ 1763 م ووصف هيئته ومجلسه الفخم وحاشيته. والمهدي أيضا هو الإمام الذي وصفه الشوكاني رغم إعجابه به، بالفردية والاستبداد، كما اشتهر بنهمه للأرض حتى سطا على أملاك الأوقاف وصير غيولاً تاريخية كالغيل الأسود وغيل البرمكي ملكاً خالصاً له .

وتكاد الفترة الباقية من تاريخ اليمن ، أي من وفاة المهدي حتى قدوم الأتراك للمرة الثانية لا تختلف عن سابقتها لا في طبيعة الحكم فيها ولا في طبيعة الأحداث ، فبينما استمر الانقسام والاقتتال بين الطامحين في السلطة من الأئمة، استمرت القبائل كذلك في نصرة من تأنس فيه السيادة لتفوز معه بخيرات السلطة والحكم ، وفي حالات كثيرة كانت القبائل تستقل بتمرداتها لنفسها متى ما آنست ضعفاً في السلطة المركزية إلى حد محاصرتها للعاصمة صنعاء ، كما أفسح المجال لطامحين آخرين باسم الصوفية أو إقامة الشرع للحصول على مناطق نفوذ تتسع وتنكمش حسب علاقات القوة المتغيرة باستمرار .
__________________
قال ثابت البناني رحمه الله :
قال رجل من الصالحين لإخوانه يوماً : إني لأعلم متى يذكرني ربي عز وجل!
ففزعوا من قوله ذلك و قالو : أتعلم حين يذكرك ربك!!
قال : نعم
قالوا : متى ؟
قال : إذا ذكرته ذكرني...
اقرأوا إن شئتم قول الله تعالى: (فاذكروني أذكركم)...
البدوي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس