تصنيف الناس*** الجزء الثاني**
سندها
* وبعد الإشارة إلى آثار (( المنشقين )) وغوائل تصنيفهم فإنك لو سألت : (( الجراح )) عن مستنده ، وبينته على هذا (( التصنيف )) الذي يصك بع العباد صك الجندل ، لأفلت يديه ، يقلب كفيه ، متلعثما اليوم بما برع به لسانه بالأمس ، ولوجدت نهاية ما لديه من بينات هي :
وساوس غامضة ، وانفعالات متوترة ، وحسد قاطع .
وتوظيف لسوء الظن ، والظن أكذب الحديث .
وبناء الزعم ، وبئس مطية الرجل زعموا .
فالمنشق يشيد الأحكام على هذه الأوهام المنهارة ، والظنون المرجوحة ، ومتى كانت أساسا تبنى عليه الأحكام9 ؟؟
ومن آحادها السخيفة التي يأتمرون ويتلقون عليها للتصنيف:
* فلان يترحم على فلان ، وهو من الفرقة الفلانية ؟
فانظر كيف يتحرجون رحمة الله ، ويقعون في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة ، إضافة إلى التصنيف بالإثم .
* إنه يذكر فلانا بالدرس ، وينقل عنه : والذي تحرر لي أن العلماء لا ينقلون عن أهل الأهواء
المغلظة ، والبدع الكبرى – المكفرة - ، ولا عن صاحب هوى أو بدعة في بدعته ، ولا متظاهر ببدعة متسافه بها ، داعية إليها .
وما دون ذلك ينقلون عنهم على الجادة أي : سبيل الاعتبار ، كالشأن في سياق الشواهد والمتابعات في المرويات .
* ومن مستندات (( المنشقين )) الجراحين : تتبع العثرات ، وتلمس الزلات ، والهفوات .
فيجرح بالخطأ ، ويتبع العالم بالزلة ، ولا تغفر له هفوة .
وهذا منهج مرد .
فمن ذا الذي سلم من الخطأ – غير أنبياء الله ورسله - ، وكم لبعض المشاهير من العلماء من زلات ، لكنها مغتفرة بجانب ما هم عليه ما هم عليه من الحق والهدى والخير الكثير :
من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
ولو أخذ كل إنسان بهذا لما بقي معنا أحد ، ولصرنا مثل دودة القز ، تطوي نفسها بنفسها حتى تموت .
وانظر : ما ثبت في (( الصحيحين )) عن جابر – رضي الله عنه – " أن رسول الله - - نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم " .
هذا وهم أهل بيت الرجل وخاصته فكيف بغيرهم ؟
وما شرع أدب الاستئذان ، وما يتبعه من تحسيس أهل البيت بدخول الداخل إلا للبعد عن الوقوع على العثرات فكيف بتتيعها .
* ومن طرائقهم :
ترتيب سوء الظن ، وحمل التصرفات قولا ، وفعلا على محامل السوء والشكوك .
ومنه : التناوش من مكان بعيد لحمل الكلام على محامل السوء بعد بذل الهم القاطع للترصد ، والتربص ، والفرح العظيم بأنه وجد على فلان كذا ، وعلى فلان كذا .
ومتى صار من دين الله : فرح المسلم بمفارقة أخيه المسلم للآثام .
ألا إن هذا التصيد ، داء خبيث متى ما تمكن من نفس أطفأ ما فيها من نور الإيمان ، وصير القلب خرابا يبابا ، يستقبل الأهواء والشهوات، ويفرزها. نعوذ بالله من الخذلان .
ومن هذا العرض يتبين أن : (( ظاهرة التصنيف )) تسري بدون مقومات مقبولة شرعا ، فهي مبنية على دعوى مجردة من الدليل ، وإذا كانت كذلك بطل الادعاء ، واضمحلت الدعوى ، وأصبحت غير مسموعة شرعا ، وآلت حال المدعي إلى مدعى عليه تقام الدعوى بما كذب وافترى وفي الحديث أن النبي - - قال :
" لو يعطى الناس بدعواهم … " الحديث .
دوافعها
* حينئذ يأتي السؤال : ماهي الأسباب الداعية إلى شهوة التجريح بلا دليل ؟
والجواب : أن الدافع لا يخلو :
* إما أن يكون الدافع (( عداوة عقدية في حسبانه )) فهذا لأرباب التوجهات الفكرية ، والعقدية المخالفة للإسلام الصحيح في إطار السلف .
وهؤلاء هم الذين ألقوا بذور هذه الظاهرة في ناشئتنا .
* أو يكون الدافع من تلبيس إبليس ، وتلاعبه في بعض العباد بداء الوسواس ، وكثيرا ما يكون في هؤلاء الصالحين من نفث فيهم أهل الأهواء نفثة ، فتمكنت من قلوبهم ، وحسبوها زيادة في التوقي الورع ، فطاروا بها كل مطار حتى أكلت أوقاتهم ، واستلهمت جهودهم ، وصدتهم عما هم بحاجة إليه من التحصيل ، والوقوف على حقائق العلم والإيمان .
ولهذا كثرت أسئلتهم عن فلان ، وفلان ، ثم تنزلت بهم الحال إلى الوقوع فيهم .
وكأن ابن القيم – رحمه الله تعالى – شاهد عيان لما يجري في عصرنا إذ يقول10 :
" ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ، والظلم ، والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، ومن النظر المحرم ، وغير ذلك .
ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى نرى الرجل يشار إليه بالدين ، والزهد ، والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ، وينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ، بين المشرق والمغرب .
وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول )انتهى .
* أو يكون الدافع : (( داء الحسد والبغي والغيرة )) وهي أشد ما تكون بين المنتسبين إلى الخير والعلم ، فإذا رأى المغبون في حظه من هبوط منزلته الاعتبارية في قلوب الناس ، وجفولهم لهم عنه ، بجانب مــا كتب الله لأحد أقرانه من نعمة – هو منهــــا محروم - ، من القبول في الأرض ، وانتشار الذكر ، والتفاف الطلاب حوله ، أخذ بتوهين حاله ، وذمه بما يشبه المدح ، فلان كذا إلا أنه …
وقد يسلك – وشتان بين المسلكين – صنيع المتورعين من المحدثين في المجروحين كحركات التوهين ، وصيغ الدعاء التي تشير إلى المؤاخذات ، والله يعلم أنه لا يريد إلا التمريض ، يفعل هذا كمدا من باب الضرب للمحظوظين بوساوس المحرومين .
وكل هذا من عمل الشيطان .
ومن هنا تبتهج النفس بدقة نظر النقاد ؛ إذ صرفوا النظر عما سبيله كذلك من تقادح الأقران .
ولهذا تتابعت كلمات السلف كما روى بعضا منها ابن عبدالبر – رحمه الله تعالى – بأسانيده في : (( جامعه )) عن ابن عباس –ر ضي الله عنهما – ومالك بن دينار ، وابن حازم – رحمهم الله تعالى – ومنها :
" خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض ، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة " .
وقال أبي حازم :
" العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله ذاكره ، وإذا لقي من هو دونه لم يزه عليه حتى كان هذا الزمان ، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجه إليه ، ولا يذاكر من هو مثله ، ويزهى على من هو دونه ، فهلك الناس " .
وصدق النبي - - فيما رواه حواري رسول الله - - وابن عمته : الزبير بن العوام – رضي الله عنه – أن رسول الله - - قال :
" دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد ، والبغضاء ، البغضاء هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم : أفشوا السلام بينكم ".
* أو الدافع : (( عداوة دنيوية )) فكم أثارت من تباغض وشحناء ، ونكد ، ومكابدة ، فهؤلاء دائما في غصة من حياتهم ، وتحرق على حظوظهم ، ولا ينالون شيئا .
" وإنما أهلك الناس الدرهم والدينار " .
واللبيب يعرف شرح ذلك .
وعلى كل حال فإن الهوى هو الذي يحمل الفريقين على هذه الموبقات ، وقد يجتمع في الإنسان أكثر من دافع .
وأشدهم طوعا للهوى ، أكثرهم إغراقا في هذه الدوافع ؛ إذ إن إصدار أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث لهما :
1- الشريعة : وهي المستند الحق وموئل (( العدل )) ، وماذا بعد الحق إلا الضلال .
2- الهوى : وهو المأخذ الواهي الباطل المذموم ، ولا يترتب عليه حق أبدا .
والهوى – نعوذ بالله منه – هو أول فتنة طرقت العالم ، وباتباع الهوى ضل إبليس ، وبه ضل كثير من الأمم عن اتباع رسلهم وأنبيائهم كما في قصص القرآن العظيم ؛ ولهذا حكم الله – وهو أعدل الحاكمين – أنه لا أحد أضل ممن اتبع هواه ، فقال سبحانه :
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } [ القصص : 50 ]
وقال تعالى
{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [ ص : 66 ]
ولذلك قيل للمائلين عن سبيل القصد أهل الأهواء ) ؛ وذلك لاتباعهم الهوى ، أو لأنها تهوي بأهلها في النار .
* وإذا كان أهل الأهواء قد نجحوا في نفثتهم المحمومة هذه ، ففتح الأغرار بها كوة على علمائهم ، فإن اللادينيين قد حولوها إلى باب مفتوح على مصراعيه ، فألحقوا كل نقيصة ، وسخرية في كل متدين وعبد صالح ، وأما العلماء فقد جعلوهم (( وقود البلبلة وحطب الاضطراب )) .
الاشتقاق بها
* وإذا كانت هذه الظاهرة مع شيوعها ، وانتشارها ، واهية السند ، معدومة البينة ، فمن هو الذي تولى كبرها ، ونفخ في كيرها ، وسعى في الأرض فسادا بنشرها ، وتحريك الفتن بها ، والتحريش بواسطتها ؟؟؟
والجواب : هم أرباب تلك الدوافع، ولا تبتعد فتبتئس وخل عنك التحذلق والفجور، نعوذ بالله من أمراض القلوب .
والنفس لا تتقطع حسرات هنا ، فإن من في قلبه نوع هوى وبدعة ، قد عرفت هذه الفعلات من جادتهم التي يتوارثونها على مدى التاريخ ، وتوالي العصر ، وقد نبه على مكايدهم العلماء ، وحذروا الأغرار من الاغترار …
لكن بلية لا لعاً لها ، وفتنة وقى الله شرها حين سرت في عصرنا – ظاهرة الشغب هذه إلى من شاء الله من المنتسبين إلى السنة , ودعوى نصرتها ، فاتخذوا (( التصنيف بالتجريح )) دينا وديدناً ، فصاروا إلباً على أقرانهم من أهل السنة ، وحربا على رؤوسهم ، وعظمائهم ، يلحقونهم الأوصاف المرذولة ، و ينبزونهم بالألقاب المستشنعة المهزولة ، حتى بلغت بهم الحال أن فاهوا بقولتهم عن إخوانهم في الاعتقاد ، والسنة ، والأثر هم أضر من اليهود والنصارى ) و ( فلان زنديق )؟؟
وتعاموا عن كل ما يجتاب ديار المسلمين، ويخترق آفاقهم، ومن الكفر ، والشرك ، والزندقة ، والإلحاد ، وفتح سبل الإفساد والفساد ، وما يفد في كل صباح ومساء من مغريات وشهوات ، وأدواء وشبهات ، تنتج تكفير الأمة ، وتفسيقها ، وإخراجها نشأ آخر منسلخا من دينه وخلقه .
وهنا ، ومن هذا (( الانشقاق )) تشفى المخالف بواسطة
(( المنشقين )) ووصل العدو من طريقهم ، وجندوهم للتفريق من حيث يعلمون أولا يعلمون ، وانفض بعضٌ عن العلماء ، والالتفاف حولهم ، ووهنوا حالهم ، وزهدوا الناس في عملهم.
وبهؤلاء (( المنشقين )) آل أمر طلائع الأمة ، وشبابها إلى أوزاع ، وأشتات ، وفرق ، وأحزاب، وركض وراء السراب، وضياع في المنهج ، والقدوة ، وما نجا من غمرتها إلا من صحبه التوفيق ، وعمر الإيمان قلبه .
ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وهذا(الانشقاق ) في صف أهل السنة لأول مرة– حسبما نعلم – يوجد في المنتسبين إليهم من يشاقهم، ويجند نفسه لمثافنتهم ، ويتوسد ذراع الهم لإطفاء جذوتهم، والوقوف في طريق دعوتهم، وإطلاق العنان للسان يفري في أعراض الدعاة ويلقي في طريقهم العوائق فيعصبية طائشة ).
فلو رأيتهم – مساكين يرثى لحالهم وضياعهم – وهم يتواثبون ، ويقفزون ، والله أعلم بما يوعون ، لأدركت فيهم الخفة والطيش في أحلام طير . وهذا شأن من يخفق على غير قاعدة ولو حاججت الواحد منهم لما رأيت عنده إلا قطعة من الحماس يتدثر بها على غير بصيرة ، فيصل إلى عقول السذج من باب هذه الظاهرة : الغيرة . نصرة السنة . وحدة الأمة . وهم أول من يضع رأس المعول لهدمها ، وتمزيق شملها …
لكن مما يطمئن أن هذه : (( وعكة )) مصيرها إلى الاضمحلال و (( لوثة وافدة )) تنطفي عن قريب ، وعودة (( المنشقين )) إلى جماعة المسلمين أن تعلم :
* أن هذا التبدد يعيش في أفراد بلا أتباع ، وصدق الله :
{ وما للظالمين من أنصار } [ البقرة : 270 ] .
ومن صالح الدعاء :
{ ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين } [ الأعراف : 47 ] .
وقوله تعالى :
{ رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } [ المؤمنين : 94 ]
* وأن هؤلاء الأفراد يسيرون بلا قضية .
* وأن جولانهم : هو من فزع وثبة الانشقاق ؛ ولهذا تلمس فيهم زعارة ، وقلة توفيق .
فلا بد 0 بإذن الله تعالى – أن تخبوا هذه اللوثة ، ويتقلص ظلها ، وتنكتم أنفاسها ، ويعود (( المنشق )) تائبا إلى صف جماعة المسلمين ، تاليا قول الله تعالى { ربي نجني من القوم الظالمين } [ القصص : 21 ] .
تبعة فشوها
* ثم يأتي سؤال ثان :
من الذي يحمل تبعة فشو (( ظاهرة التصنيف )) فالانشقاق عن (( أهل السنة )) ؟؟
يحتمل تبعتها فريقان :
الأول : الغافلون عن تنفس التوجهات الفكرية، والعقدية، والمادية ، وزرعها في أفئدة الناشئة .
وأصله : التفريط في الغيرة على الحق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومد بساط : عسى ، ولعل . الثاني: غياب العالم القدوة عن القيام بدوره الجهادي التربوي - بلا تذبذب -كل بما فتح الله عليه حسب وسعه وطاقته .
لهذين الأثر العظيم في تنفس هذه الظاهرة .
العمل لمواجهتها
هذه هي حقيقة هذه الظاهرة ، وآثارها ، ومستندها ، ودوافعها ، ومتولي كبرها ، وأسباب فشوها ، وتفنيدها .
حينئذ يأتي سؤال يفرض نفسه :
ما العمل لمواجهتها ، وكف بأسها عن المسلمين ؟
فأقول :
العمل في أصول إلى ثلاث فئات :
1- إلى (( الجراح )) المتلبس بظاهرة التصنيف .
2- إلى الذي وجه إليه التصنيف .
3- أصول لهما، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.
فإلى بيانها :
يتبع
Last edited by بن سويلم; 05-19-2009 at 05:29 PM.