منتديات شبكة خورة العربية

منتديات شبكة خورة العربية (http://www.khorh.net/vb/index.php)
-   من أرض الحضارة والتراث (http://www.khorh.net/vb/forumdisplay.php?f=40)
-   -   عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني (http://www.khorh.net/vb/showthread.php?t=88541)

كاتم الجرح 07-05-2012 05:04 AM

عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
 
عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني

http://www.dhamarpress.com/uploads/s...901-011655.jpg
* بقلم / صادق القاضي :

لم يحظ شاعر على الصعيد الشعبي والثقافي في اليمن بمثل ماحظي به الشاعر عبد الله البردوني من اهتمام كبير، وتقدير بالغ، فربما لا يجهله راشد، وقلما خلا بيت من بعض دواوينه أو ذاكرة من بعض أبياته ، فهو يمثل قيمة أدبية وإنسانية تحتل مكانة مرموقة في وجدان وفكر الإنسان اليمني.
والبردوني في حياته وشعره يمني..، بما يعنيه ذلك من انتماء إلى الشعب بمعاناته وكفاحه الدائم ضد البؤس والقهر والاستبداد والتطلع إلى واقع تسود فيه قيم العدل والحرية والمساواة ، وهي القضايا والمبادئ التي اكسبت شعره طابعاً إنسانياً عاماً.
ينتمي البرودني إلى الشريحة الواسعة من الشعب اليمني تلك المرادفة للفقر والبؤس والحرمان ، ولطالما تذكر الشاعر ليالي سوداء جائعة باتت فيها امة «نخلة بنت أحمد العامر» «ت ـ 1958» وابوه «صالح بن حسن الشحر» «ت ـ «1988م:»:
يتشاكيان من الطوى ... شكوى الغريق إلى الغريق
ينتمي عبدالله البرودني إلى هذه الأسرة البائسة في قرية «البردون» مركز «الحدا» التابع لمحافظة ذمار ، ولد يوم مات جمل الأسرة ، كان ذلك على الأرجح عام «1929م» وعلى عالمه الجديد فتح الصغير عينيه لبرهة من الزمن قبل أن يغلقهما الجدري، ويفتح سجل معاناة دائمة لصغير بين الثالثة والسادسة من عمره.
في هذه الطفولة المعذبة شق الصغير حياته بمكابدة أشبه بالحفر بالأظافر في صخرة عاتية، فخاض مضمار التعلم في ظروف بالغة القسوة في كل مراحلها ، في كتاب القرية «المعلامة» ثم في قرية مجاورة ، ثم انتقل إلى ذمار ليقضي فيها عشر سنوات صعبة في التعلم قبل أن يلتحق بدار العلوم في صنعاء ...،وفي هذه الأماكن وخارجها كون الرجل ثقافته العلمية والأدبية وشخصيته الفنية والنقدية الفذة.
تخرج البردوني من دار العلوم وعمل مدرساً فيها ، وخلال مسيرته المهنية عمل محامياً وقاضياً وشغل وظائف حكومية ذات طابع إعلامي ثقافي.
عاش البردوني حياة حافلة بالنشاط الأدبي، وكان من أوائل من سعوا لتكوين وتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الموحد قبل الوحدة اليمنية، وانتخب رئيساً للاتحاد في المؤتمر الأول له ، كما عمل كاتباً وضمن هيئة تحرير كثير من المجلات الأدبية الصادرة عن الاتحاد وسواه.صدر للشاعر خلال مراحل حياته الشعرية الصاعدة اثنا عشر ديواناً شعرياً هي:
ـ من أرض بلقيس «1961م»
ـ في طريق الفجر 1966م»
ـ مدينة الغد «1970م»
ـ لعيني أم بلقيس «1972م»
ـ السفر إلى الأيام الخضر «1977م»
ـ وجوه دخانية في مرايا الليل «1977م»
ـ زمان بلا نوعية «1979م»
ـ ترجمة رملية لأعراس الغبار«1973م»
ـ كائنات الشوق الآخر «1986م»
ـ رواغ المصابيح «1989م»
- جواب العصور 1991م»
- رجعة الحكيم بن زائد «1994م».
وخلال حياته الشعرية الحافلة نال الشاعر باستحقاق جوائز أدبية هامة منها:
ـ جائزة أبي تمام ـ الموصل 1971م
ـ جائزة أحمد شوقي ـ القاهرة ـ1981
- جائزة الأمم المحدة «اليونسكو» التي أصدرت عملة فضية بصورته عام 1982م
.ـ جائزة مهرجان جرش الرابع ـ الاردن 1984م
- جائزة سلطان العويس ـ الامارات 1993م
لقد كان البردوني شخصية متعددة المواهب ، وفضلاً عن الشعر كتب في الأدب والنقد والأدب الشعبي والتاريخ الأدبي والسياسة وغير ذلك من الجوانب التي احتوتها كتبه النثرية المطبوعة التي كانت مثل دواوينه الشعرية أرخص الكتب ثمناً وأكثرها انتشاراً ، وذكرت وسائل الإعلام بعد وفاته «1999م» أنه ترك أعمالا مخطوطة منها رواية يتيمه لا ندري متى ستطبع؟ أو لماذا لم تطبع حتى الآن!!
ولئن كان البرودني كاتباً عادياً فهو شاعر غير عادي، بل يمثل شعره ظاهرة استثنائية في الشعر العربي الحديث، وعلامة فارقة في الشعر اليمني المعاصر، بخصائصه الأسلوبية المميزة وشخصيته الفنية الفذة التي راوحت بين الأصالة والمعاصرة بشكل خلاق، ينفض رماد الماضي وهو يحمل شعلته دائمة المعاصرة، وفي إطار ذلك احتفظ بالشكل العمودي للقصيدة رغم أن الوفاء للأصالة لا يستلزم ذلك بالضرورة، فالمضمون الجديد يقتضي شكلاً جديداً يتسع للتعبير عن أبعاد التجربة الفنية والإنسانية بجوانبها الفكرية والوجدانية والإيقاعية الحديثة.
ولقد نجح الشاعر إلى حد بعيد في التعبير عن المضامين الجديدة للحياة وإن ظل الشكل التقليدي يحد من ذلك ويؤكد أن في الإمكان أبدع مما كان.
وفضلاً عن الشكل العروضي تتوفر المظاهر التقليدية في أعمال البردوني من جوانب عدة وبخاصة في ديوانيه الأولين من حيث الأغراض والألفاظ والتراكيب والأساليب.. الأشياء التي يطول الحديث عنها في هذا المقام.
تتجلى في ديوان الشاعر أهم الخصائص الأدبية لأطوار الشعر العربي الحديث في مراحله المتعاقبة «الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية» ، وفي مقابل السمات التقليدية تتجلى ملامح التجديد على امتداد ديوانه الشعري من خلال الوحدة العضوية للقصيدة ومن خلال الألفاظ والتراكيب والأساليب البارعة في خصوصياتها الفنية والمضامين المواكبة للحياة والمفعمة بقضايا الإنسان وتطلعاته.
تتميز لغة الشاعر بالسهولة والشفافية وكثافة التعبير فهي من السهل الممتنع ، ومعجمه الشعري بقطوفه الدانية نابع من صميم الحياة العصرية، ويخلو تقريباً من الإغراب ، وله بعده الاجتماعي في مقام الحضور الثري للبيئة اليمنية بشيوع أسماء المناطق والأعلام والأحداث والعادات والتقاليد والأمثال والألفاظ والعبارات الشعبية والاقتباسات من الأدب الشعبي...، كل ذلك جعل شعره عابقاً بنكهة الحياة اليمنية المحببة، وقريباً من الوجدان الشعبي للإنسان اليمني.
تحفل لغته بتراكيبها الجديدة في بنائها القائم على كسر العلاقات التقليدية بين الألفاظ وتحطيم القرائن المنطقية للدلالة، لتشكيل الدلالة غير العادية والمفاجآت السياقية والمفارقة الشعرية.
واللغة هي الشاعر وقد جسدت لغته شعوره بالمعاناة ونزعته التشاؤمية والسخرية والرفض والتهكم والنقد اللاذع ، واحساسه بالغربة عن الواقع وانتمائه إلى المفروض، واستشراف المستقبل ورؤيته حول طبيعة العصر بكل جوانبها وانعكاساتها لديه.
لقد أهتم الشاعر بصياغة العنوان الذي يختزل أبعاد التجربة الشعرية بكفاءة عالية ، كما قدم مهارة مدهشة في صياغة المطالع اللافتة ، والاستهلال المثير المتوهج بالصورة الشعرية الخلابة.
تشيع في لغة الشاعر بشكل كبير أساليب الاستفهام البلاغي التي جسدت من جوانب مختلفة إحساس الشاعر بالدهشة وربما الفجيعة والحيرة والسخرية والتهكم...، حتى ليغدو الشاعر بها سؤالاً كبيراً أمام ملامح المرحلة الراهنة ، كما تشيع بكثافة عالية أنماط الصورة الشعرية الحديثة المعبرة ، عن قدراته الفنية الراقية وإحساسه العميق بمفردات الواقع ونظرته الثاقبة للعلاقات الكامنة بين مكوناته.
تعتبر النزعة الدرامية من أهم السمات والأدوات الأسلوبية التي شكل من خلالها الشاعر رؤيته الفنية في جل أعماله الشعرية ، وفي إطار ذلك اهتم بالحوار لتوصيف العلاقات الجدلية بين أطراف الوضع القائم ، وتقمص كثيراً من شخصياته ، ونجح بشكل يثير الإعجاب في استكناه أعماقها والتغلغل في مشاعرها وأفكارها وتصويرها من الداخل.
مثل شعر البرودني حالة خاصة جذبت إليها القلوب والأقلام التي يعُد إحصاء ما كتبت عنه في حياته وفي مواسم ذكرى وفاته مهمةً ينوء بها العصبة من الرجال ، والشاعر يستحق هذا الاهتمام الكبير الذي أولته إياه الأوساط الثقافية ، والشيء الذي لا يستحقه الشاعر ويدعو للعجب والأسف هو الجفاء والغبن المتمثل بانصراف الأوساط الأكاديمية وحتى وقت قريب ، من دارسي الأدب العربي الحديث عن شعره ، فلم يحظ الشاعر خلال حياته تقريباً باهتمام هذه الأوساط رغم كونه «أحد الأصوات البارزة في الشعر اليمني المعاصر» «ويأتي في طليعة شعراء اليمن الكبار» ويمثل «علامة بارزة في الأدب العربي الحديث».
والعبارات المقوسة أعلاه مستقاة من بعض الدراسات القليلة حول شعر البردوني ، وقام بجلها باحثون غير يمنيين ، وتناولت بعض المظاهر الفنية لدى الشاعر وفي أعمال مكرسة له أو مع غيره ، وتفاوتت مواقفها من شعره بين مدح مطلق أو بين الذم والمدح أو الذم المطلق أو التزمت بحدود الرؤية النقدية الموضوعية.
من الدراسات المميزة حول شعر البردوني ماقدمه الباحث «وليد مشوح» الذي درس العلاقة بين عمى الشاعر وتكوين الصورة الشعرية لديه ، واستند على أرضية سيكلوجية تحليلية لاستكناه مظاهر هذه العلاقة.
في كتابه «شعر عبدالله البردوني» تناول د.محمد أحمد القضاة المصادر الشعرية والرؤية الشعرية للشاعر وتشكيل الصورة الشعرية والمعجم الشعري والتراكيب وبناء القصيدة وتشكيلها الموسيقي ، وإلى ذلك قدم د/محمد محمود رحومه في كتابه «الدائرة والخروج» دراسة حول العنصر الدرامي في شعر البردوني.
وقف أحمد محمد الشامي في كتابه «من الأدب اليمني» موقفاً ذاتياً مغرضاً من المشاعر في حين قدم حسين حموي في كتابه «شاعران معاصران من اليمن» كلاماً إنشائيا يمكن اعتباره إشارة إلى الصورة الشعرية الجديدة في شعر البردوني، والتجديد والحس الوطني القومي لديه.
تمثل ظاهرة التقابل، وهي الظاهرة التي درسها الكاتب، إحدى ابرز الخصائص الأسلوبية في شعر البردوني ، بشيوعها الكبير وتعدد أنماطها ومستوياتها وعلاقاتها البنائية ووظائفها الفنية ، والجمالية.لقد تحققت في شعره قيم التقابل الحداثي بشكل خاص ، وتوفرت فيه بكثافة عالية، ولعل لذلك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقضية العمى لديه، وانعكاساتها على أدبه.
يؤدي التقابل وظائف بالغة الأهمية في حياة الإنسان في تعرفه على العالم ومن ثم التعامل معه والتعبير عنه ، وذلك لايقتصر على الكفيف، فالأشياء تعرف بأضدادها لدى الجميع ، على أن التقابل لدى الأعمى يغدو أداة أساسية لها أهمية استثنائية في التعرف على العالم حوله، وفرز مكوناته المادية والمعنوية ، فهو نافذته في تصور العالم ومادته المعرفية في التعبير عنه ، هكذا يقول البرودني في جوابه عن كيفية إحساسه بالجمال: «ليس هناك حس بالجمال مفصول عن الدمامة ، وإنما هناك معرفة اختلاف الجميل عن نقيضه ،إذ لا يتجلى وجه الجمال إلا إلى وجه النقيض ، والشعور بالنقيضين أقوى محركات الحس الفني».هكذا يرى الشاعر أن الأشياء تعرف بأضدادها، ولا توجد مستقلة عنها ، وأن الشيء حصيلة اختلافه عن مقابله ، وأن العلاقة الجدلية بين الأضداد عامل أساسي في استشعار الشاعر لها وتعبيره الفني عنها.
يؤكد البردوني الأهمية الجذرية للتقابل لديه في موقف آخر وصف فيه كيفية تفريقه ــ بصفة أعمى ـ بين الضياء والظلام قائلاً:« للنفس عالمها المزيج بين الظلام والضياء ، ومن هذا التأليف بين النقيضين يترعرع الحس الشعري والعالم المليء بصراع النقائض».وعلى ذلك فليس غريباً أن نجد هذا الاحتفاء الكبير في شعر البرودني بالتقابل ، وتعبيره ـ وهو الأعمى ـ عن الأشياء التي يستلزم إدراكها البصر بشكل يثير الإعجاب والدهشة، فهو يعتمد اعتماداً كبيراً على الازدواجية في التعرف على ما حوله والتعبير عنه بشكل يجافي الحسية ، ويضفي على الأشياء الحسية هالة من المعنوية والتصوير التجريدي المفارق.
على أن العلاقة بين العمى وشيوع التقابل لدى البردوني مجرد فرضية بحاجة في اثباتها إلى استقراء فرضية شيوع التقابل لدى عدد كبير من الشعراء المكفوفين ، وهو ما لم يقم به احد، مع العلم بشيوع التقابل لدى جميع الشعراء بدرجات متفاوتة، وبخصائص مميزة في كل عصر ولدى كل شاعر..
لم يكن البردوني ، في حياته وشعره على علاقة حميمية مع المؤسسات الرسمية القائمة ، وكان هذا ـ إلى حد ما سبباً في حيادية الأوساط الأكاديمية الرسمية حيال شعره ، وهو أمر شكا منه الشاعر شعراً ، ومات ولم يتصالح مع هذه المؤسسات ، ولكن موته شكل منعطفاً هاماً في علاقة شعره بالدراسات الأكاديمية.
شهدت السنوات القليلة المنصرمة بعد وفاة الشاعر احتفاءً رسمياً كبيراً بالشاعر وطباعة أعماله وارتفاعاً ملحوظاً في عدد الدراسات اليمنية والعربية التي تعرضت لجوانب مختلفة من شعر الراحل ، وأوفت ببعض الواجب الأكاديمي، وقدمت إسهامات مميزة في قضاياها اللغوية والأدبية التي تناولتها في تجربة هذا الشاعر الكبير.
وبعد ، هل حرمان الحياة واحتفاء ما بعد الموت هو ـ غالباً ـ قدر الفن أم قضاء السياسة ؟، وأيا كان الأمر فمازال هناك خطأ ما يحاول أن يختزل مجالات الفن والحياة عموماً على أسماء كبيرة لم تكن ترغب أن تتفرد في مجالاتها ، أو أن يعقم الإبداع بعدها ، أو أن تحجب بضوئها الكواكب الجديرة بالتألق في آفاق العطاء ، أعظم المبدعين قادمون ، وأسمى آيات الفن لم تكتب بعد.


* عن نيوز يمن

فريد العولقي 07-05-2012 04:45 PM

رد: عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
 
كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
سلمت يمناك
كل الشكر............

حنين الايام 07-06-2012 08:29 PM

رد: عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
 
أ‡أ‍أٹأˆأ‡أ“:

أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‰ أ‡أ،أƒأ•أ،أأ‰ أںأٹأˆأٹ أˆأ¦أ‡أ“أکأ‰ كاتم الجرح (أ‡أ،أ£أ”أ‡أ‘أںأ‰ 751225)
عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني

http://www.dhamarpress.com/uploads/s...901-011655.jpg
* بقلم / صادق القاضي :

لم يحظ شاعر على الصعيد الشعبي والثقافي في اليمن بمثل ماحظي به الشاعر عبد الله البردوني من اهتمام كبير، وتقدير بالغ، فربما لا يجهله راشد، وقلما خلا بيت من بعض دواوينه أو ذاكرة من بعض أبياته ، فهو يمثل قيمة أدبية وإنسانية تحتل مكانة مرموقة في وجدان وفكر الإنسان اليمني.
والبردوني في حياته وشعره يمني..، بما يعنيه ذلك من انتماء إلى الشعب بمعاناته وكفاحه الدائم ضد البؤس والقهر والاستبداد والتطلع إلى واقع تسود فيه قيم العدل والحرية والمساواة ، وهي القضايا والمبادئ التي اكسبت شعره طابعاً إنسانياً عاماً.
ينتمي البرودني إلى الشريحة الواسعة من الشعب اليمني تلك المرادفة للفقر والبؤس والحرمان ، ولطالما تذكر الشاعر ليالي سوداء جائعة باتت فيها امة «نخلة بنت أحمد العامر» «ت ـ 1958» وابوه «صالح بن حسن الشحر» «ت ـ «1988م:»:
يتشاكيان من الطوى ... شكوى الغريق إلى الغريق
ينتمي عبدالله البرودني إلى هذه الأسرة البائسة في قرية «البردون» مركز «الحدا» التابع لمحافظة ذمار ، ولد يوم مات جمل الأسرة ، كان ذلك على الأرجح عام «1929م» وعلى عالمه الجديد فتح الصغير عينيه لبرهة من الزمن قبل أن يغلقهما الجدري، ويفتح سجل معاناة دائمة لصغير بين الثالثة والسادسة من عمره.
في هذه الطفولة المعذبة شق الصغير حياته بمكابدة أشبه بالحفر بالأظافر في صخرة عاتية، فخاض مضمار التعلم في ظروف بالغة القسوة في كل مراحلها ، في كتاب القرية «المعلامة» ثم في قرية مجاورة ، ثم انتقل إلى ذمار ليقضي فيها عشر سنوات صعبة في التعلم قبل أن يلتحق بدار العلوم في صنعاء ...،وفي هذه الأماكن وخارجها كون الرجل ثقافته العلمية والأدبية وشخصيته الفنية والنقدية الفذة.
تخرج البردوني من دار العلوم وعمل مدرساً فيها ، وخلال مسيرته المهنية عمل محامياً وقاضياً وشغل وظائف حكومية ذات طابع إعلامي ثقافي.
عاش البردوني حياة حافلة بالنشاط الأدبي، وكان من أوائل من سعوا لتكوين وتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الموحد قبل الوحدة اليمنية، وانتخب رئيساً للاتحاد في المؤتمر الأول له ، كما عمل كاتباً وضمن هيئة تحرير كثير من المجلات الأدبية الصادرة عن الاتحاد وسواه.صدر للشاعر خلال مراحل حياته الشعرية الصاعدة اثنا عشر ديواناً شعرياً هي:
ـ من أرض بلقيس «1961م»
ـ في طريق الفجر 1966م»
ـ مدينة الغد «1970م»
ـ لعيني أم بلقيس «1972م»
ـ السفر إلى الأيام الخضر «1977م»
ـ وجوه دخانية في مرايا الليل «1977م»
ـ زمان بلا نوعية «1979م»
ـ ترجمة رملية لأعراس الغبار«1973م»
ـ كائنات الشوق الآخر «1986م»
ـ رواغ المصابيح «1989م»
- جواب العصور 1991م»
- رجعة الحكيم بن زائد «1994م».
وخلال حياته الشعرية الحافلة نال الشاعر باستحقاق جوائز أدبية هامة منها:
ـ جائزة أبي تمام ـ الموصل 1971م
ـ جائزة أحمد شوقي ـ القاهرة ـ1981
- جائزة الأمم المحدة «اليونسكو» التي أصدرت عملة فضية بصورته عام 1982م
.ـ جائزة مهرجان جرش الرابع ـ الاردن 1984م
- جائزة سلطان العويس ـ الامارات 1993م
لقد كان البردوني شخصية متعددة المواهب ، وفضلاً عن الشعر كتب في الأدب والنقد والأدب الشعبي والتاريخ الأدبي والسياسة وغير ذلك من الجوانب التي احتوتها كتبه النثرية المطبوعة التي كانت مثل دواوينه الشعرية أرخص الكتب ثمناً وأكثرها انتشاراً ، وذكرت وسائل الإعلام بعد وفاته «1999م» أنه ترك أعمالا مخطوطة منها رواية يتيمه لا ندري متى ستطبع؟ أو لماذا لم تطبع حتى الآن!!
ولئن كان البرودني كاتباً عادياً فهو شاعر غير عادي، بل يمثل شعره ظاهرة استثنائية في الشعر العربي الحديث، وعلامة فارقة في الشعر اليمني المعاصر، بخصائصه الأسلوبية المميزة وشخصيته الفنية الفذة التي راوحت بين الأصالة والمعاصرة بشكل خلاق، ينفض رماد الماضي وهو يحمل شعلته دائمة المعاصرة، وفي إطار ذلك احتفظ بالشكل العمودي للقصيدة رغم أن الوفاء للأصالة لا يستلزم ذلك بالضرورة، فالمضمون الجديد يقتضي شكلاً جديداً يتسع للتعبير عن أبعاد التجربة الفنية والإنسانية بجوانبها الفكرية والوجدانية والإيقاعية الحديثة.
ولقد نجح الشاعر إلى حد بعيد في التعبير عن المضامين الجديدة للحياة وإن ظل الشكل التقليدي يحد من ذلك ويؤكد أن في الإمكان أبدع مما كان.
وفضلاً عن الشكل العروضي تتوفر المظاهر التقليدية في أعمال البردوني من جوانب عدة وبخاصة في ديوانيه الأولين من حيث الأغراض والألفاظ والتراكيب والأساليب.. الأشياء التي يطول الحديث عنها في هذا المقام.
تتجلى في ديوان الشاعر أهم الخصائص الأدبية لأطوار الشعر العربي الحديث في مراحله المتعاقبة «الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية» ، وفي مقابل السمات التقليدية تتجلى ملامح التجديد على امتداد ديوانه الشعري من خلال الوحدة العضوية للقصيدة ومن خلال الألفاظ والتراكيب والأساليب البارعة في خصوصياتها الفنية والمضامين المواكبة للحياة والمفعمة بقضايا الإنسان وتطلعاته.
تتميز لغة الشاعر بالسهولة والشفافية وكثافة التعبير فهي من السهل الممتنع ، ومعجمه الشعري بقطوفه الدانية نابع من صميم الحياة العصرية، ويخلو تقريباً من الإغراب ، وله بعده الاجتماعي في مقام الحضور الثري للبيئة اليمنية بشيوع أسماء المناطق والأعلام والأحداث والعادات والتقاليد والأمثال والألفاظ والعبارات الشعبية والاقتباسات من الأدب الشعبي...، كل ذلك جعل شعره عابقاً بنكهة الحياة اليمنية المحببة، وقريباً من الوجدان الشعبي للإنسان اليمني.
تحفل لغته بتراكيبها الجديدة في بنائها القائم على كسر العلاقات التقليدية بين الألفاظ وتحطيم القرائن المنطقية للدلالة، لتشكيل الدلالة غير العادية والمفاجآت السياقية والمفارقة الشعرية.
واللغة هي الشاعر وقد جسدت لغته شعوره بالمعاناة ونزعته التشاؤمية والسخرية والرفض والتهكم والنقد اللاذع ، واحساسه بالغربة عن الواقع وانتمائه إلى المفروض، واستشراف المستقبل ورؤيته حول طبيعة العصر بكل جوانبها وانعكاساتها لديه.
لقد أهتم الشاعر بصياغة العنوان الذي يختزل أبعاد التجربة الشعرية بكفاءة عالية ، كما قدم مهارة مدهشة في صياغة المطالع اللافتة ، والاستهلال المثير المتوهج بالصورة الشعرية الخلابة.
تشيع في لغة الشاعر بشكل كبير أساليب الاستفهام البلاغي التي جسدت من جوانب مختلفة إحساس الشاعر بالدهشة وربما الفجيعة والحيرة والسخرية والتهكم...، حتى ليغدو الشاعر بها سؤالاً كبيراً أمام ملامح المرحلة الراهنة ، كما تشيع بكثافة عالية أنماط الصورة الشعرية الحديثة المعبرة ، عن قدراته الفنية الراقية وإحساسه العميق بمفردات الواقع ونظرته الثاقبة للعلاقات الكامنة بين مكوناته.
تعتبر النزعة الدرامية من أهم السمات والأدوات الأسلوبية التي شكل من خلالها الشاعر رؤيته الفنية في جل أعماله الشعرية ، وفي إطار ذلك اهتم بالحوار لتوصيف العلاقات الجدلية بين أطراف الوضع القائم ، وتقمص كثيراً من شخصياته ، ونجح بشكل يثير الإعجاب في استكناه أعماقها والتغلغل في مشاعرها وأفكارها وتصويرها من الداخل.
مثل شعر البرودني حالة خاصة جذبت إليها القلوب والأقلام التي يعُد إحصاء ما كتبت عنه في حياته وفي مواسم ذكرى وفاته مهمةً ينوء بها العصبة من الرجال ، والشاعر يستحق هذا الاهتمام الكبير الذي أولته إياه الأوساط الثقافية ، والشيء الذي لا يستحقه الشاعر ويدعو للعجب والأسف هو الجفاء والغبن المتمثل بانصراف الأوساط الأكاديمية وحتى وقت قريب ، من دارسي الأدب العربي الحديث عن شعره ، فلم يحظ الشاعر خلال حياته تقريباً باهتمام هذه الأوساط رغم كونه «أحد الأصوات البارزة في الشعر اليمني المعاصر» «ويأتي في طليعة شعراء اليمن الكبار» ويمثل «علامة بارزة في الأدب العربي الحديث».
والعبارات المقوسة أعلاه مستقاة من بعض الدراسات القليلة حول شعر البردوني ، وقام بجلها باحثون غير يمنيين ، وتناولت بعض المظاهر الفنية لدى الشاعر وفي أعمال مكرسة له أو مع غيره ، وتفاوتت مواقفها من شعره بين مدح مطلق أو بين الذم والمدح أو الذم المطلق أو التزمت بحدود الرؤية النقدية الموضوعية.
من الدراسات المميزة حول شعر البردوني ماقدمه الباحث «وليد مشوح» الذي درس العلاقة بين عمى الشاعر وتكوين الصورة الشعرية لديه ، واستند على أرضية سيكلوجية تحليلية لاستكناه مظاهر هذه العلاقة.
في كتابه «شعر عبدالله البردوني» تناول د.محمد أحمد القضاة المصادر الشعرية والرؤية الشعرية للشاعر وتشكيل الصورة الشعرية والمعجم الشعري والتراكيب وبناء القصيدة وتشكيلها الموسيقي ، وإلى ذلك قدم د/محمد محمود رحومه في كتابه «الدائرة والخروج» دراسة حول العنصر الدرامي في شعر البردوني.
وقف أحمد محمد الشامي في كتابه «من الأدب اليمني» موقفاً ذاتياً مغرضاً من المشاعر في حين قدم حسين حموي في كتابه «شاعران معاصران من اليمن» كلاماً إنشائيا يمكن اعتباره إشارة إلى الصورة الشعرية الجديدة في شعر البردوني، والتجديد والحس الوطني القومي لديه.
تمثل ظاهرة التقابل، وهي الظاهرة التي درسها الكاتب، إحدى ابرز الخصائص الأسلوبية في شعر البردوني ، بشيوعها الكبير وتعدد أنماطها ومستوياتها وعلاقاتها البنائية ووظائفها الفنية ، والجمالية.لقد تحققت في شعره قيم التقابل الحداثي بشكل خاص ، وتوفرت فيه بكثافة عالية، ولعل لذلك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقضية العمى لديه، وانعكاساتها على أدبه.
يؤدي التقابل وظائف بالغة الأهمية في حياة الإنسان في تعرفه على العالم ومن ثم التعامل معه والتعبير عنه ، وذلك لايقتصر على الكفيف، فالأشياء تعرف بأضدادها لدى الجميع ، على أن التقابل لدى الأعمى يغدو أداة أساسية لها أهمية استثنائية في التعرف على العالم حوله، وفرز مكوناته المادية والمعنوية ، فهو نافذته في تصور العالم ومادته المعرفية في التعبير عنه ، هكذا يقول البرودني في جوابه عن كيفية إحساسه بالجمال: «ليس هناك حس بالجمال مفصول عن الدمامة ، وإنما هناك معرفة اختلاف الجميل عن نقيضه ،إذ لا يتجلى وجه الجمال إلا إلى وجه النقيض ، والشعور بالنقيضين أقوى محركات الحس الفني».هكذا يرى الشاعر أن الأشياء تعرف بأضدادها، ولا توجد مستقلة عنها ، وأن الشيء حصيلة اختلافه عن مقابله ، وأن العلاقة الجدلية بين الأضداد عامل أساسي في استشعار الشاعر لها وتعبيره الفني عنها.
يؤكد البردوني الأهمية الجذرية للتقابل لديه في موقف آخر وصف فيه كيفية تفريقه ــ بصفة أعمى ـ بين الضياء والظلام قائلاً:« للنفس عالمها المزيج بين الظلام والضياء ، ومن هذا التأليف بين النقيضين يترعرع الحس الشعري والعالم المليء بصراع النقائض».وعلى ذلك فليس غريباً أن نجد هذا الاحتفاء الكبير في شعر البرودني بالتقابل ، وتعبيره ـ وهو الأعمى ـ عن الأشياء التي يستلزم إدراكها البصر بشكل يثير الإعجاب والدهشة، فهو يعتمد اعتماداً كبيراً على الازدواجية في التعرف على ما حوله والتعبير عنه بشكل يجافي الحسية ، ويضفي على الأشياء الحسية هالة من المعنوية والتصوير التجريدي المفارق.
على أن العلاقة بين العمى وشيوع التقابل لدى البردوني مجرد فرضية بحاجة في اثباتها إلى استقراء فرضية شيوع التقابل لدى عدد كبير من الشعراء المكفوفين ، وهو ما لم يقم به احد، مع العلم بشيوع التقابل لدى جميع الشعراء بدرجات متفاوتة، وبخصائص مميزة في كل عصر ولدى كل شاعر..
لم يكن البردوني ، في حياته وشعره على علاقة حميمية مع المؤسسات الرسمية القائمة ، وكان هذا ـ إلى حد ما سبباً في حيادية الأوساط الأكاديمية الرسمية حيال شعره ، وهو أمر شكا منه الشاعر شعراً ، ومات ولم يتصالح مع هذه المؤسسات ، ولكن موته شكل منعطفاً هاماً في علاقة شعره بالدراسات الأكاديمية.
شهدت السنوات القليلة المنصرمة بعد وفاة الشاعر احتفاءً رسمياً كبيراً بالشاعر وطباعة أعماله وارتفاعاً ملحوظاً في عدد الدراسات اليمنية والعربية التي تعرضت لجوانب مختلفة من شعر الراحل ، وأوفت ببعض الواجب الأكاديمي، وقدمت إسهامات مميزة في قضاياها اللغوية والأدبية التي تناولتها في تجربة هذا الشاعر الكبير.
وبعد ، هل حرمان الحياة واحتفاء ما بعد الموت هو ـ غالباً ـ قدر الفن أم قضاء السياسة ؟، وأيا كان الأمر فمازال هناك خطأ ما يحاول أن يختزل مجالات الفن والحياة عموماً على أسماء كبيرة لم تكن ترغب أن تتفرد في مجالاتها ، أو أن يعقم الإبداع بعدها ، أو أن تحجب بضوئها الكواكب الجديرة بالتألق في آفاق العطاء ، أعظم المبدعين قادمون ، وأسمى آيات الفن لم تكتب بعد.

* عن نيوز يمن


كاتم الجرح ....
الف شكر على هذا التوضيح الرااائع
مع الرجاء باتحافنا بالمزيد من مثل هذه
الشخصيات الرائعة .. ليتسنى لنا الاطلاع
والافادة من المعلومات الجديدة والمهمة ..
دمت بحفظ الرحمن ..
تحياتي وودي

بسمة أمل 07-08-2012 12:16 AM

رد: عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
 
سلمت يمنااااك
يعطيك العافية
لاعدمنا طروحك

هديل هديل 07-25-2012 10:40 PM

رد: عن هوميروس اليمن في ذكرى وفاته: كاهن الحرف .. عبد الله البردوني
 
الف شكر وتقدير


أ‡أ،أ“أ‡أڑأ‰ أ‡أ،أ‚أ¤ 05:36 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir