![]() |
وارتحل ابي في صمت رحمك الله والدي وسيدي
ومات أبي، والموت أضخم الحقائق. .. مات تماما كما اعتاد أن ينام.. حينما كان يرخي راسه الابيض من شيب الزمان ، ويتوسد ذراعه اليمنى ولا يغمض عيناه كاملتان بل ينام نصف مغمض العينين يحسبه الناظر اليه مستيقظ وهو نائم... لا أستطيع أن أتصور موته بغير هذه الطريقة. .. مات غير أني ما وجدت في خزانتي من الدموع.. ما يكفي لبكائه.. مثلما يليق برحيل رجل ناضل من أجل لقمة العيش ، وعلى مدى سبعين عاماً.. دون أن يكل أو يمل.. أو حتى يفكر في أن يذكرنا ونحن نكبر ونكبر أمامه كنا بما تبقى لنا من شهامة.. نتأمل تلك في القوة في يده من حين لآخر.. فنلتقط هذا المعنى.. دون أن نستشعره كما ينبغي.. إلا بعد أن مات. .. مات أبي في الوقت الذي كنت قد أسرفت فيه كثيراً باستخدام كل أرصدتي من المياه المالحة في مقلتي.. على مناسبات أخرى أليمة.. شاء القدر أن تقع على ذات العقارب من ساعة وساحة الحزن.. وحين احتجت للبكاء.. لم تسعفني غدد الدمع رغم بسالتها.. على التخلص من احتقانات تلك الصورة التي أذعنت لسلطة الموت في ذاكرتي حد المهادنة.. ليس الموت بمعناه العدمي.. وإنما الموت بمعنى انتزاع ذلك الرحيق من بين دفتي قلبك.. مثل عملية سطو ظالمة.. وإحالته إلى مناخ صيفي بائس لذكريات حية صارت معطلة.. لم يبق لها من وهج الروح.. غير رسم رمادي.. قد يدل أو لا يدل على تلك الحياة!! .. لم يكن ابي قط.. رجلا من علية القوم ووجهائهم.. طبقا للمعنى المادي السائد.. ولم يكن معنيا على الاطلاق بهذا السؤدد.. امام ما كان يمثل له الوقود والطاقة.. التي ظلت تشعل فتيل جسده النحيل الذي ولد ومات به.. وهو ان يحيا كريما وبسيطاً وإن انهارت تحت قدميه كل جسور الحياة الكريمة حيث لا ماء ولا مأوى.. المهم ألا ينحني.. لم يكن يولد في أحلامه أن يكون من بينهم.. ولم يكن يميل إلى مجالسهم.. الا بما تستدعيه واجبات الوصال الاجتماعي.. تارة بذريعة امتلاء وقته بالكثير من المشاغل.. وأخرى لأنه لم يكن مشغولاً بهذا النوع من البحث عن الذات.. الذي تتزاحم حوله المناكب هنا وهناك.. لأنه وجد ذاته في ذلك السلام الداخلي مع نفسه.. ومع محيطه.. ببياض غير مشوه! وأظنه أطلق ابتسامة ساخرة.. حتى وهو يموت.. حينما نعاه بعض الزملاء اجتهاداً ومجاملة بعبارة: (أنت راقد والبشير يقبضوه ؟)!! ولو كان حياً لضحك حتى استلقى على ظهره .. لم يكن يوما في لائحة الوجهاء.. لكنه كان نبيلاً بشرف كل تلك المهن التي عملها، وأخلص لها كان ضابطاً حاسماً في ديوان الحكم الاتحادي و المدير التنفيذي لوزير الحكم المحلي، ومصرفي ضليع في البنك الإسلامي السوداني وقائداً للحركة الكشفية في السودان .. وهي التي أمدته بعد الله ما يكفي من القوة رغم مصائبه المتلاحقة. لأن يكون كمن سواه من أبناء جيله المقاتلين.. وليصنع عجينة قوته وقوت أسرته في زمن لا عنوان آخر سوى الضعف والشظف والمسغبة.. وبأكثر مما عجزت عنه يماني كثيرة! .. بحق أريد أن أبكيه.. لأنني أشعر حتما أنه يستحق أن يُبكى.. وهو الذي ما أغمض عينيه على دموع نرجسية.. حين كان يوزع بسخاء مفرط حبه على الجميع.. دون أن يلهو أو يتلهى بآلامه.. ودون أن يمارس البكاء علي ما اصاب من مرض لكن كيف لي بذلك؟.. وانا من فك في بيداء الحزن قربته، وأضاع في قبة الهجير..!! رغم انني استشعره هناك غير بعيد وهو ينهرني قائلاً: وفر غسيل قلبك يابني.. فلا يزال ثمة متسع لغبار اكثر في هذه الحياة، وان شئت أن تبكي.. فابك الحياة ذاتها. التي لا تصفو الا لتغدر.. ولا تحلو الا لتناولك بيدها الأخرى كأسها الأشد مرارة! .. عندئذ.. تذكرت انني دفنت أحزانه وقلبه المعطوب، تذكرت كيف وقفت مع تلك الجموع الحاشدة في مقبرة الصحافة لنواري جزءاً غاليا من ضمير هذه الأمة في جسد رجل هو ابي وكيف بكيت لا عليه وحسب، عندئذ فقط فتشت في قطرات الوضوء عما يطفئ هذا النهم الفاجع للحياة.. رغم كل البشاعات فيها.. فوجدته في أوراد أبي الذي ذهب إلى رحمة الله بكثير من الدعاء وقليل من الدموع. كان الحشد عظيماً رأيت بعض الوجوه التي اعرفها ولا اعرفها اصدقائي كانو معي حتي صديقي العزيز الذي كنت أحسبة طي النسيان وانتهت علاقتي القوية به رايته امامي كما كان واقوى يواسيني ويقف الي جانبي لم اكن اري نفسي يتيماً بل بم نفترق منذ ان ولدت الا لنلتقي بعد سفره لكنه قرر السفر الأخير قالها لي وهو يبتسم قبيل وفاته ب أيام ناداني كي اجلس جواره وقال : كم عمري الان ؟ اجبته تجاوزت السبعين وعامان يا ابي فأبتسم وقال عمر طويل لم افهم ماذا اراد بقوله فقال : اني أرى نفسي ماضياً فكن كما أريدك ان تكون قلت يا ابي بالله عليك لا تقل هذا الحديث فالمرض يأتي ويذهب وستكون ان شاء الله من المعافين فقال : لا ورب الكعبةانها اخر محطاتي الكثيرة لم استحمل قوله فمسحت علي شعره بعد ان نام ومضيت في بكاء مع نفسي ودعاء .. ورحل ابي وانا بجواره ويشهد الله ان روحه خرجت في زفير بسيط دون عناء وانا من كان يحسب ان خروجها يؤلم رايته نائماً توقف قلبه وما عاد يتنفس وانا اراه نائماً جاء الطبيب في محاولات يائسة لإدراك ما تبقي من قوه قلبه إلا ان روحه قد فاضت إلي بارئها وأعلن وفاته وبأن" انا لله وإنا إليه راجعون .. اتره رحل ؟؟ ان آره مجدداً ؟ ويحي انه الشيطان اللعين فابي لا بغلي علي من خلقه حمدت الله الذي لا يحمد علي مكروه سواه فوجت نفسي صابراً في حينها.. ها أنا ألان اكتب من مكانه المفضل من غرفتة التي قلما يفارقها بأنه وان ارتحل فذكراه باقية في نفوس أبنائه وما ارتحل ولكن هي الحياة وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونْ " .. ان العين لتدمع وان القلب ليحزن وانا على فراقك يا ابي لمحزونون .. .. إن لله ما أخذ وله ما أعطى .. وكل شيء عنده بأجل مُسمى .. .. اللهم اغفر له وارحمه .. وعافه واعف عنه . .. ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس .. .. وأبدله داراً خيراً من داره .. وأهلاً خيراً من أهله .. وزوجاً خيراً من زوجه .. وأدخله الجنة .. .. اللهم آنس في القبر وحشته .. .. و ثبته عند السؤال .. .. اللهم باعد القبر عن جنباته .. .. واكفه فتنة القبر .. .. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة .. |
| أ‡أ،أ“أ‡أڑأ‰ أ‡أ،أ‚أ¤ 03:03 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir