![]() |
ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الجاثية: 3] قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الجاثية: 3 - 5] [1]، فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى "للمؤمنين"؛ لأنه سبحانه ذكر العالم بجملته حيث قال ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم، وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلا بد أولا من التصديق بذاته، حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته، لتقدم الموصوف وجودًا واعتقادًا على الصفات. وكذلك قوله في الآية الثانية: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾، فإن سرّ الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أقربُ إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينًا في معتقَده الأول. وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح يقتضي رجاحة العقل ورصانته؛ لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلى التي هي أجرامه وعوارض عنه، ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضًا، فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعًا مختارًا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾، وإن احتيج إلى العقل في الجميع إلا أن ذكره - هاهنا - أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع بعضًا، فلا بد إذًا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل[2]. ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ [الجاثية: 7] قوله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ [الجاثية: 7] ؛ لأن الإفك سبب الإثم[3]. ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [الجاثية: 9] قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ﴾، ولم يقل "اتخذه"؛ ردًا للضمير إلى "شيئًا"؛ لأنه لم يقتصر على الاستهزاء بما يسمع من آيات الله، بل كان إذا سمع بعض آيات الله استهزأ بجميعها، وقيل "شيئًا" بمعنى الآية لأن بعض الآيات آية[4]. ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الجاثية: 14] قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [الجاثية: 15] [5]، حكمة الفاصلة - هنا - أن قبلها: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الجاثية: 14] فناسب الختام بفاصلة البعث؛ لأن قبله وصفهم بإنكاره[6]. ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [الجاثية: 20] قال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبدالملك رحمه الله: وسمَّاه - أي القرآن - بصائر، فقال: ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾[7]. ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية: 21] قوله صلى الله عليه وسلم: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ"[8]، في قوله تعالى: ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ [9]. ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 22] قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى ﴾، التقدير: ليستدل بها المكلف على قدرته تعالى ولتجزى[10]. ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23] قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾، وأصل الكلام "هواه إلهه"، كما تقول "اتخذ الصنم معبودًا" لكن قدم المفعول الثاني على الأول للعناية وللتنبيه على أن الهوى أقوى وأوثق عنده من إلاهه، كما تقول: "علمت منطلقًا زيدًا" لفضل عنايتك بانطلاقه[11]. ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ [الجاثية: 24] قوله تعالى مخبرًا عن منكري البعث: ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ﴾، أي نحيا ونموت[12]. ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 28] قال ابن فارس: كل شيء في القرآن "جثيًا"، فمعناه: جميعًا، إلا التي في سورة الشريعة: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾، فإنه أراد: تجثو على ركبتيها[13]. ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29] قوله تعالى: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ﴾؛ المراد: جميع الكتب التي اقتضت فيها أعمالهم[14]. ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [الجاثية: 32] قوله تعالى: ﴿ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا ﴾، أي لا يعبأ به، وإلا لاتَّبعوه؛ لأن ذلك دينهم ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّن ﴾َّ [15]. [1] سورة الجاثية: 3-5. [2] البرهان: معرفة الفواصل ورؤوس الآي - إئتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام 1/ 71 - 72. [3] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - ما قدم والمعنى عليه 3/ 158. [4] المصدر السابق: قاعدة في الضمائر 4/ 21. [5] سورة الجاثية: 13. [6] البرهان: معرفة الفواصل ورؤوس الآي - إئتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام 1/ 71. [7] البرهان: معرفة أسمائه واشتقاقاتها 1/ 193. [8] رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله ت، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب "الأمر بحسن الظن بالله عند الموت"، ص/ 1316، رقم الحديث 2878. [9] البرهان: بيان معاضدة السنة للقرآن 2/ 93. [10] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - التعليل 3/ 62. [11] المصدر السابق: مما قدم النية به التأخير 3/ 176- قواعد في التشبيه 3/ 263. [12] البرهان: الكلام على المفردات من الأدوات - معاني الواو الغير عاملة 4/ 265. [13] أفراد كلمات القرآن العزيز ص/ 10. البرهان: جمع الوجوه والنظائر 1/ 86. [14] البرهان: معرفة أحكامه - ضرورة معرفة المفسر قواعد أصول الفقه 2/ 7. [15] سورة النجم: 23. البرهان: أساليب القرآن وفنونه البليغة - قاعدة في التعريف والتنكير4/ 60. الالوكة |
رد: ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
جزاك الله خيرا
|
رد: ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
بارك الله فيك عزيزتي
في ميزان حسناتك يارب |
رد: ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
جزاك الله الخير كلــه
وجعله الله في ميزان حسناتك الله يعطيك العافيه بارك فيــك |
رد: ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
بارك الله فيك على هذا الموضوع المفيد والنافع
كل الشكر والتقدير |
رد: ما فسره الزركشي من سورة الجاثية
*/ جزاك الله كل خير ولا حرمك اجر طرحك وجعله في موازين حسناتك اسعد الباري ..~ |
| أ‡أ،أ“أ‡أڑأ‰ أ‡أ،أ‚أ¤ 10:57 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir