![]() |
كتاب الطهارة
سبل السلام
شرح بلوغ المرام للصنعاني كتاب الطهارة الكتاب والطهارة في الأصل: مصدران أضيفا وجعلا اسماً لمسائل من مسائل الفقه، تشتمل على مسائل خاصة. وبدأ بالطهارة اتباعاً لسنة المصنفين في ذلك، وتقديماً للأمور الدينية على غيرها، واهتماماً بأهمها وهي الصلاة. ولما كانت الطهارة شرطاً من شروطها بدأ بها، وهي اسم مصدر، أي: طهر تطهيراً وطهارة، مثل: كلم تكليماً وكلاماً. وحقيقتها: استعمال المطهرَيْن: أي الماء والتراب، أو أحدهما، على الصفة المشروعة في إزالة النجس، والحدث؛ لأن الفقيه إنما يبحث عن أحوال أفعال المكلفين من الوجوب وغيره. ثم لما كان الماء هو المأمور بالتطهّر به أصالة قدمه فقال: باب المياه الباب لغة: ما يدخل ويخرج منه. قال تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وهو هنا مجاز؛ شبه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ثم أثبت لها الباب. والمياه: جمع ماء، وأصله: موه ولذا ظهرت الهاء في جمعه، وهو جنس يقع على القليل والكثير، إلا أنه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم الشرع، فإن فيه ما ينهى عنه وفيه ما يكره. وباعتبار الخلاف أيضاً في بعض المياه كماء البحر، فإنه نقل الشارح الخلاف في التطهّر به عن ابن عمر، وابن عمرو. وفي النهاية: أن في كون ماء البحر مطهّراً خلافاً لبعض أهل الصدر الأول، وكأنه لقدم الخلاف فيه بدأ المصنف بحديث يفيد طهوريته، وهو حجة الجماهير. عن أبي هُرَيْرَة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، في البَحْرِ: "هُوَ الطّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" أخرجهُ الأربعةُ، وابنُ أبي شَيْبَةَ، واللفظُ لَهُ، وصححهُ ابنُ خُزيمةَ، والترمذي. (عن أبي هريرة رضي الله عنه) الجار والمجرور متعلّق بمقدر كأنه قال: باب المياه أروي فيه، أو أذكر، أو نحو ذلك حديثاً عن أبي هريرة. وهو الأول من أحاديث الباب. وأبو هريرة هو الصحابي الجليل الحافظ المكثر، واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولاً. قال ابن عبد البر: الذي تسكن النفس إليه من الأقوال: أنه عبد الرحمن بن صخر، وبه قال محمد بن إسحاق. وقال الحاكم أبو أحمد: ذكر لأبي هريرة في مسند بقي بن مخلد خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً. وهو أكثر الصحابة حديثاً، فليس لأحد من الصحابة هذا القدر، ولا ما يقاربه. قلت: كذا في الشرح. والذي رأيته في الاستيعاب، لابن عبد البر بلفظ: إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي يسكن إليه القلب في اسمه في الإسلام ثم قال فيه ـ أي الاستيعاب ـ: مات في المدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. وقيل: مات بالعقيق، وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، وكان يومئذ أميراً على المدينة، كما قاله ابن عبد البر. (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في البحر) أي: في حكمه، والبحر: الماء الكثير، أو المالح فقط كما في القاموس، وهذا اللفظ ليس من مقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، بل مقوله: (هو الطهور) بفتح الطاء، هو المصدر واسم ما يتطهر به؛ أو: الطاهر المطهر كما في القاموس. وفي الشرع: يطلق على المطهر، وبالضم مصدر. وقال سيبويه: إنه بالفتح لهما، ولم يذكره في القاموس بالضم (ماؤه) هو فاعل المصدر، وضمير ماؤه يقتضي أنه أريد بالضمير في قوله: هو الطهور: البحر يعني مكانه، إذ لو أريد به الماء لما احتيج إلى قوله: ماؤه، إذ يصير في معنى الماء طهور ماؤه، (الحلُّ) هو مصدر حل الشيء ضد حرم، ولفظ الدارقطني الحلال (مَيْتَتُهُ) هو فاعله أيضاً (أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة) هو أبو بكر. قال الذهبي في حقه: الحافظ العديم النظير الثبت النحرير، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، صاحب المسند والمصنف وغير ذلك، وهو من شيوخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، وابن ماجه (واللفظ له) أي: لفظ الحديث السابق سرده لابن أبي شيبة، وغيره ممن ذكر أخرجوه بمعناه. (وصححه ابن خزيمة) بضم الخاء المعجمة فزاي بعدها مثناة تحتية فتاء تأنيث. قال الذهبي: الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان (و) صححه (الترمذي) أيضاً فقال عقب سرده: هذا حديث صحيح. هذا لفظ الترمذي، كما في مختصر السنن للحافظ المنذري. وحقيقة الصحيح عند المحدثين ما نقله عدل تام الضبط، عن مثله، متصل السند، غير معلّ، ولا شاذ. هذا، وقد أخرج المصنف هذا الحديث في التلخيص من تسع طرق عن تسعة من الصحابة، ولم تخلُ طريق منها عن مقال، إلا أنه قد جزم بصحته من سمعت، وصححه ابن عبد البر، وصححه ابن منده، وابن المنذر، وأبو محمد البغوي. قال المصنف: وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه. قال الزرقاني في شرح الموطأ: وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، تلقته الأمة بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار في سائر الأعصار في جميع الأقطار، ورواه الأئمة الكبار. ثم عد من رواه، ومن صححه. والحديث وقع جواباً عن سؤال كما في الموطأ: "أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل" وفي مسند أحمد: "من بني مدلج" وعند الطبراني "اسمه عبد الله، إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضّأنا به عطشنا، أفنتوضأ به"؟ وفي لفظ أبي داود: "بماء البحر" فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فأفاد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن ماء البحر طاهر مطهر، لا يخرج عن الطهورية بحال، إلا ما سيأتي من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه، ولم يجب صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بقوله: نعم، مع إفادتها الغرض، بل أجاب بهذا اللفظ ليقرن الحكم بعلّته، وهي الطهورية المتناهية في بابها، وكأنّ السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة طعمه، ونتن ريحه، توهم أنه غير مراد من قوله تعالى: {} أي بالماء المعلوم إرادته من قوله: {} أو أنه لما عرف من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} ظن اختصاصه، فسأل عنه، فأفاده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الحكم، وزاده حكماً لم يسأل عنه، وهو حل ميتته. قال الرافعي: لما عرف صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر، أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته. وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة. قال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى، أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه، تتميماً للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه. ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم، كما هنا، لأن من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفاً. ثم المراد بميتته: ما مات فيه من دوابه: مما لا يعيش إلا فيه. لا ما مات فيه مطلقاً، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا. وظاهره حل ما مات فيه، ولو كان كالكلب والخنزير، ويأتي الكلام في ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. وعَنْ أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ" أخرَجَهُ الثلاثةُ، وصَححهُ أحمدُ. (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه) اسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري الخدري. بضم الخاء المعجمة ودال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرة حي من الأنصار كما في القاموس. قال الذهبي: كان من علماء الصحابة، وممن شهد بيعة الشجرة، وروى حديثاً كثيراً، وأفتى مدة. عاش أبو سعيد ستاً وثمانين سنة، ومات في أول سنة أربع وسبعين، وحديثه كثير وحدث عنه جماعة من الصحابة، وله في الصحيحين أربعة وثمانون حديثاً. ص1ص2 |
قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن الماء طهور لا ينجسه شيء. أخرجه الثلاثة) هم أصحاب السنن، ما عدا ابن ماجه، كما عرفت (وصححه أحمد) قال الحافظ المنذري في مختصر السنن: ــــ إنه تكلم فيه بعضهم، لكن قال: حكي عن الإمام أحمد أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، ولم يروَ حديث أبي سعيد في بئر بضاعة بأحسن مما روى أبو أسامة. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد.
والحديث له سبب وهو: "أنه قيل لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال: الماء طهور" الحديث، هكذا في سنن أبي داود، وفي لفظ فيه: "إن الماء" كما ساقه المصنف. واعلم أنه قد أطال هنا في الشرح المقال، واستوفى ما قيل في حكم المياه من الأقوال، ولنقتصر في الخوض في المياه على قدر يجتمع به شمل الأحاديث، ويعرف به مأخذ الأقوال ووجوه الاستدلال فنقول: قد وردت أحاديث يؤخذ منها أحكام المياه، فمنها: حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء". وحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". وحديث: "الأمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي في المسجد". وحديث: "إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً". وحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه". وحديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" الحديث. وفيه الأمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه. وهي أحاديث ثابتة ستأتي جميعها في كلام المصنف. إذا عرفت هذا، فإنه اختلفت اراء العلماء رحمهم الله تعالى، في الماء إذا خالطته نجاسة، ولم تغير أحد أوصافه: فذهب القاسم، ويحيى بن حمزة، وجماعة من الآل، ومالك، والظاهرية وأحمد في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه إلى: أنه طهور، قليلاً كان أو كثيراً، عملاً بحديث: "الماء طهور" وإنما حكموا بعدم طهورية ما غيّرت النجاسة أحد أوصافه، للإجماع على ذلك؛ كما يأتي الكلام عليه قريباً. وذهب الهادوية، والحنفية، والشافعية إلى قسمة الماء إلى قليل تضرّه النجاسة مطلقاً، وكثير لا تضرّه، إلا إذا غيرت بعض أوصافه، ثم اختلفوا بعد ذلك في تحديد القليل والكثير. فذهب الهادوية إلى تحديد القليل بأنه: ما ظن المستعمل للماء الواقعة فيه النجاسة استعمالها باستعماله، وما عدا ذلك فهو الكثير. وذهب الحنفية إلى تحديد الكثير من الماء: بما إذا حرّك أحد طرفيه ادمي، لم تسر الحركة إلى الطرف الاخر؛ وهذا رأي الإمام، وأما رأي صاحبيه، فعشرة في عشرة، وما عداه فهو القليل. وذهب الشافعية إلى تحديد الكثير من الماء بما بلغ قلتين من قلال هجر وذلك نحو خمسمائة رطل، عملاً بحديث القلتين، وما عداه فهو القليل. ووجه هذا الاختلاف تعارض الأحاديث التي أسلفناها: فإن حديث الاستيقاظ، وحديث الماء الدائم يقضيان: أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وكذلك حديث الولوغ، والأمر بإراقة ماء ولغ الكلب فيه. وعارضها حديث بول الأعرابي، والأمر بصب ذنوب من ماء عليه؛ فإنه يقتضي أن قليل النجاسة لا ينجس قليل الماء. ومن المعلوم أنه قد طهر ذلك الموضع الذي وقع عليه بول الأعرابي بذلك الذنوب، وكذلك قوله: "الماءُ طَهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء". فقال الأولون وهم القائلون: لا ينجسه شيء، إلا ما غير أحد أوصافه: يجمع بين الأحاديث بالقول بأنه لا ينجسه شيء، كما دلّ له هذا اللفظ، ودلّ عليه حديث بول الأعرابي. وأحاديث الاستيقاظ، والماء الدائم، والولوغ ليست واردة لبيان حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي، لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات ونحوها. وقيل: بل النهي في هذه الأحاديث للكراهة فقط، وهي طاهرة مطهرة. وجمع الشافعية بين الأحاديث بأن حديث "لا ينجسه شيءٌ" محمول على ما بلغ القلتين فما فوقهما وهو كثير، وحديث الاستيقاظ، وحديث الماء الدائم محمول على القليل. وعند الهادوية: أن حديث الاستيقاظ محمول على الندب فلا يجب غسلهما له. وقالت الحنفية: المراد بلا ينجسه شيء: الكثير الذي سبق تحديده. وقد أعلّوا حديث القلتين بالاضطراب، وكذلك أعله الإمام المهدي في البحر. وبعضهم تأوله، وبقية الأحاديث في القليل، ولكنه ورد عليهم حديث بول الأعرابي، فإنه كما عرفت دل على أنه لا يضر قليل النجاسة قليل الماء، فدفعته الشافعية: بالفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه فقالوا: إذا وردت على الماء نجسته، كما في حديث الاستيقاظ، وإذا ورد عليها الماء لا تضرّه، كما في خبر بول الأعرابي. وفيه بحث حققناه في حواشي شرح العمدة، وحواشي ضوء النهار. وحاصله: أنهم حكموا: أنه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجس، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود على النجاسة، وليس كذلك، بل التحقيق: أنه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها شيئاً فشيئاً حتى يفني عينها وتذهب قبل فنائه، فلا يأتي اخر من الماء الوارد على النجاسة إلا وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها يفنى ويتلاشى، عند ملاقاة آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالإجماع، فلا فرق بين هذا وبين الكثير في إفناء الكل للنجاسة، فإن الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة، فالعلّة في عدم تنجسه بوروده عليها: هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود، فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين: بأنّ أحدهما ينجسه دون الاخر. وإذا عرفت ما أسلفناه، وأنّ تحديد الكثير والقليل لم ينهض على أحدهما دليل. فأقرب الأقاويل بالنظر إلى الدليل: قول القاسم بن إبراهيم، ومَنْ معه، وهو قول جماعة من الصحابة، كما هو في البحر، وعليه عدة من أئمة الال المتأخرين، واختاره منهم الإمام شرف الدين. وقال ابن دقيق العيد: إنه قول لأحمد، ونصره بعض المتأخرين من أتباعه، ورجّحه أيضاً من أتباع الشافعي: القاضي أبو الحسن الروياني، صاحب بحر المذهب قاله في الإمام. وقال ابن حزم في المحلى: إنه روي عن عائشة أم المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن بن علي بن أبي طالب، وميمونة أم المؤمنين، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، والأسود بن يزيد، وعبد الرحمن أخيه، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، ومجاهد، وعكرمة، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، وغير هؤلاء. وعن أبي أُمَامَةَ الباهليّ ــــ رضي الله عنه ــــ قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلَّا ما غلبَ على رِيحهِ وطَعْمِهِ ولَوْنِهِ" أخرجهُ ابنُ ماجهْ، وضعَّفَهُ أبو حاتم. وللبيهقي: "الماءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أو طَعْمُهُ، أوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فيهِ". (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة، واسمه صدي بمهملتين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة ومثناة تحتية مشددة (الباهلي) بموحدة نسبة إلى باهلة، في القاموس: باهلة: قوم، واسم أبيه عجلان. قال ابن عبد البر: لم يختلفوا في ذلك، يعني في اسمه واسم أبيه. سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل عنها وسكن حمص، ومات بها سنة إحدى. وقيل: سنة ست وثمانين وقيل: هو اخر من مات من الصحابة بالشام. كان من المكثرين في الرواية عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلا ما غَلَبَ على ريحهِ وطعمهِ ولونِهِ) المراد: أحدها كما يفسره حديث البيهقي (أخرجه ابن ماجه وضعفه أبو حاتم) قال الذهبي في حقه: أبو حاتم هو الرازي الإمام الحافظ الكبير، محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أحد الأعلام؛ ولد سنة خمس وتسعين ومائة، وأثنى عليه إلى أن قال: قال النسائي: ثقة. توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة. وإنما ضعّف الحديث، لأنه من رواية رشدين بن سعد بكسر الراء وسكون المعجمة، قال أبو يوسف: كان رشدين رجلاً صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث، وهو متروك. وحقيقة الحديث الضعيف: هو ما اختل فيه أحد شروط الصحيح، والحسن، وله ستة أسباب معروفة، سردها في الشرح. [والبيهقي] هو: الحافظ العلامة شيخ خراسان، أبو بكر أحمد بن الحسين، له التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها: كان زاهداً ورعاً تقياً، ارتحل إلى الحجاز والعراق. قال الذهبي: تاليفه تقارب ألف جزء، وبيهق بموحدة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وهاء مفتوحة فقاف: بلد قرب نيسابور، أي رواه بلفظ: (الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه) عطف عليه (بنجاسة) الباء سببية: أي بسبب نجاسة (تحدث فيه) قال المصنف: قال الدارقطني: ولا يثبت هذا الحديث. وقال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء، أو ريحه، أو كونه كان نجساً، يروى عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله. وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه، والمراد تضعيف رواية الاستثناء، لا أصل الحديث، فإنه قد ثبت في حديث بئر بضاعة، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها. قال ابن المنذر: قد أجمع العلماء: على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً، أو لوناً، أو ريحاً فهو نجس، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لا هذه الزيادة. وعن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهمَا قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا كانَ الماءُ قُلّتين لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ" وفي لَفْظ: "لم يَنْجُسْ" أخرجه الأربعة، وصحّحهُ ابن خزَيْمَةَ والحاكِمُ وابنُ حِبّانَ. (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) هو ابن عمر بن الخطاب أسلم عبد الله صغيراً بمكة، وأول مشاهده الخندق وعمّر: وروى عنه خلائق، كان من أوعية العلم، وكانت وفاته بمكة سنة ثلاث وسبعين، ودفن بها بذي طوى، في مقبرة المهاجرين. (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا كان المَاءُ قُلّتَيْن لم يَحْمل الخَبَثَ) بفتح المعجمة الموحدة، (وفي لفظ لم يَنْجُس) هو بفتح الجيم وضمها، كما في القاموس (أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة) تقدم ذكره في أوّل حديث. (والحاكم) هو الإمام الكبير إمام المحققين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف. ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وطلب هذا الشأن، ورحل إلى العراق، وهو ابن عشرين، وحجّ، ثم جال في خراسان وما وراء النهر، وسمع من ألفي شيخ أو نحو ذلك، حدث عنه الدارقطني، وأبو يعلى الخليلي، والبيهقي، وخلائق. وله التصانيف الفائقة مع التقوى والديانة. ألف المستدرك، وتاريخ نيسابور، وغير ذلك. توفي في شهر صفر سنة خمس وأربعمائة. (وابن حبّان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة. قال الذهبي: هو الحافظ العلامة، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي، صاحب التصانيف. سمع أمماً لا يحصون من مصر إلى خراسان. حدّث عنه الحاكم، وغيره. وكان ابن حبان من فقهاء الدين وحفاظ الاثار، عالماً بالطب والنجوم وفنون العلم. صنف المسند الصحيح، والتاريخ، وكتاب الضعفاء. وفقّه الناس بسمرقند، قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم والفقه واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال. توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهو في عشر الثمانين. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا الحديث هو: دليل الشافعية في جعلهم الكثير ما بلغ قلتين، وسبق اعتذار الهادوية والحنفية عن العمل به بالاضطراب في متنه. إذ في رواية: "إذا بلغ ثلاث قلال" وفي رواية: "قلة"، وبجهالة قدر القلة، وباحتمال معناه، فإن قوله: "لم يحمل الخبث" يحتمل أنه لا يقدر على حمله، بل يضره الخبث، ويحتمل أنه يتلاشى فيه الخبث، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله، وقد بسطه في الشرح، إلا الأخير فلم يذكره، كأنه تركه لضعفه، لأن رواية "لم ينجس" صريحة في عدم احتماله المعنى الأول. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" أخرجه مُسْلِمٌ. وللبخاريِّ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه". ولِمُسْلِمٍ: "مِنْهُ". ولأبي داوُدَ: "ولا يَغْتَسِلْ فيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ". (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدائم) وهو: الراكد الساكن، ويأتي وصفه بأنه الذي لا يجري (وَهُوَ جُنُبٌ أخرجه) بهذا اللفظ (مسلم. وللبخاري) رواية بلفظ (لا يبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماء الدَّائم الذي لا يَجري ثُمَّ يَغْتَسَلُ) روي برفع اللام على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي ثم هو يغتسل، وقد جوّز جزمه على عطفه على موضع يبولن، ونصبه بتقدير أن على إلحاق ثم بالواو في ذلك، وإن أفاد أن النهي إنما هو عن الجمع بين البول والاغتسال، دون إفراد أحدهما، مع أنه ينهى عن البول فيه مطلقاً، فإنه لا يخل بجواز النصب؛ لأنه يستفاد من هذا النهي عن الجمع، ومن غيره النهي عن إفراد البول وإفراد الاغتسال. هذا بناء على أن ثم قد صارت بمعنى الواو تفيد الجمع، وهذا قاله النووي معترضاً به على ابن مالك؛ حيث جوز النصب، وأقره ابن دقيق العيد في غير شرح العمدة، إلا أنه أجاب عن النووي بما أفاده قولنا: فإنه لا يخل بجواز النصب إلى اخره. ص3ص4ص5 |
قلت: والذي تقتضيه قواعد العربية أن النهي في الحديث إنما هو عن الجمع بين البول ثم الاغتسال منه، سواء رفعت اللام أو نصبت؛ وذلك لأن ثم تفيد ما تفيده الواو العاطفة في أنها للجمع، وإنما اختصت ثم بالترتيب، فالجميع واهمون فيما قرروه.
ولا يستفاد النهي عن كل واحد على انفراده من رواية البخاري؛ لأنها إنما تفيد النهي عن الجمع، ورواية مسلم تفيد النهي عن الاغتسال فقط إذا لم تقيد برواية البخاري. ثم رواية أبي داود بلفظ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه" تفيد النهي عن كل واحد على انفراده (فيه. ولمسلم) في روايته (منه) بدلاً عن قوله فيه، والأولى تفيد أنه لا يغتسل فيه بالانغماس مثلاً، والثانية تفيد أن لا يتناول منه ويغتسل خارجه. (ولأبي داود) بلفظ: (ولا يغتسل فيه) عوضاً عن ثم يغتسل (من الجنابة) عوضاً عن قوله: وهو جنب، وقوله هنا: "ولا يغتسل" دال على أن النهي عن كل واحد من الأمرين على انفراده، كما هو أحد الاحتمالين الأولين في رواية "ثم يغتسل منه". قال في الشرح: وهذا النهي في الماء الكثير للكراهة. وفي الماء القليل للتحريم. قيل عليه: إنه يؤدي إلى استعمال لفظ النهي في حقيقته ومجازه، فالأحسن أن يكون من عموم المجاز، والنهي مستعمل في عدم الفعل الشامل للتحريم، وكراهة التنزيه. فأما حكم الماء الراكد وتنجسه بالبول، أو منعه من التطهير بالاغتسال فيه للجنابة، فعند القائلين: ــــ بأنه لا ينجس إلا ما تغير أحد أوصافه ــــ النهي عنه للتعبد وهو طاهر في نفسه، وهذا عند المالكية فإنه يجوز التطهر به؛ لأن النهي عندهم للكراهة، وعند الظاهرية: أنه للتحريم. وإن كان النهي تعبداً، لا لأجل التنجيس لكن الأصل في النهي التحريم. وأما عند من فرق بين القليل والكثير فقالوا: إن كان الماء كثيراً ــــ وكل على أصله في حده ــــ ولم يتغير أحد أوصافه، فهو الطاهر. والدليل على طهوريته: تخصيص هذا العموم، إلا أنه قد يقال: إذا قلتم: النهي للكراهة في الكثير، فلا تخصيص لعموم حديث الباب، وإن كان الماء قليلاً ــــ وكل في حده على أصله ــــ فالنهي عنه للتحريم، إذ هو غير طاهر ولا مطهر، وهذا على أصلهم في كون النهي للنجاسة. وذكر في الشرح الأقوال في البول في الماء وأنه لا يحرم في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهوم هذا الحديث، والأولى اجتنابه. أما القليل الجاري فقيل يكره، وقيل: يحرم وهو الأولى. قلت: بل الأولى خلافه إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، فلا يشمل الجاري قليلاً كان أم كثيراً. نعم، لو قيل بالكراهة لكان قريباً. وإن كان كثيراً راكداً فقيل: يكره مطلقاً، وقيل: إن كان قاصداً إلا إذا عرض وهو فيه فلا كرهة. قال في الشرح: ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق؛ لظاهر النهي، لأن فيه إفساداً له على غيره ومضارة للمسلمين. وإن كان راكداً قليلاً فالصحيح: التحريم للحديث. ثم هل يلحق غير البول كالغائط به في تحريم ذلك في هذا الماء القليل؟ فالجمهور على أنه يلحق به بالأولى. وعند أحمد بن حنبل: لا يلحق به غيره، بل يختص الحكم بالبول. وقوله: "في الماء" صريح في النهي عن البول فيه، وأنه يجتنب إذا كان كذلك. فإذا بال في إناء وصبه في الماء الدائم فالحكم واحد، وعن داود لا ينجسه ولا يكون منهياً عنه إلا في الصورة الأولى لا غير. وحكم الوضوء في الماء الدائم الذي بال فيه من يريد الوضوء: حكم الغسل إذ الحكم واحد. وقد ورد في رواية: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" ذكرها في الشرح ولم ينسبها إلى أحد، وقد أخرجها عبد الرزاق، وأحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرجه الطحاوي، وابن حبان، والبيهقي بزيادة: "أو يشرب". وعن رَجُلٍ صَحِبَ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: نَهَى رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أنْ تَغْتَسِلَ المَرْأةُ بفَضْلِ الرَّجلِ، أوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ، ولْيَغْتَرِفَا جَميعاً" أخرجهُ أبو داودَ والنّسائيُّ، وإسْنَادُهُ صحيحٌ. (وعن رجل صحب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: نهى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) أي بالماء الذي يفضل عن غسل الرجل (أو الرجل بفضل المرأة) مثله (وليغترفا) من الماء عند اغتسالهما منه (جميعاً أخرجه أبو داود، والنسائي، وإسناده صحيح) إشارة إلى رد قول البيهقي حيث قال: إنه في معنى المرسل، أو إلى قول ابن حزم حيث قال: إن أحد رواته ضعيف. أما الأول وهو كونه في معنى المرسل؛ فلأن إبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول عند المحدثين. وأما الثاني فلأنه أراد ابن حزم بالضعيف: داود بن عبد الله الأودي، وهو ثقة، وكأنه في البحر اغتر بقول ابن حزم، فقال بعد ذكر الحديث: إن راويه ضعيف وأسنده إلى مجهول. وقال المصنف في فتح الباري: إن رجاله ثقات ولم نقف له على علة، فلهذا قال هنا: وهو صحيح، نعم هو معارض بما يأتي من قوله في الحديث الاتي: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها. أخرجه مسلمٌ. ولأصحابِ السُّنن: اغْتَسَل بَعْضُ أَزْواجِ النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ لِيغْتَسِلَ مِنْها، فَقَالَتْ إنِّي كُنْتُ جُنُباً فقالَ: "إنَّ الماءَ لا يَجْنُبُ" وصححه الترمذي، وابنُ خُزَيْمَةَ. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما) هو حيث أطلق: بحر الأمة وحبرها عبد الله بن العباس. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وشهرة إمامته في العلم ببركات الدعوة النبوية بالحكمة والفقه في الدين والتأويل تغني عن التعريف به. كانت وفاته بالطائف سنة ثمان وستين في اخر أيام ابن الزبير بعد أن كُفّ بصره (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يغتسل بفضل ميمونة. أخرجه مسلم) من رواية عمرو بن دينار بلفظ قال: وعلمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني. الحديث. وأعله قوم بهذا التردد. ولكنه قد ثبت عند الشيخين بلفظ: "أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد"، ولا يخفى أنه لا تعارض؛ لأنه يحتمل أنهما كانا يغترفان معاً فلا تعارض. نعم المعارض قوله: (ولأصحاب السنن) أي من حديث ابن عباس، كما أخرجه البيهقي في السنن، ونسبه إلى أبي داود: (اغتسل بعض أزواج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في جفنة فجاء) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (ليغتسل منها فقالت) له: (إني كنت جنباً) أي وقد اغتسلت منها (فقال: إنَّ الماءَ لا يَجْنُبُ) في القاموس جنب أي كفرح وجنب أي ككرم، فيجوز فتح النون وضمها هنا، هذا إن جعلته من الثلاثي، ويصح من أجنب يجنب، وأما اجتنب فلم يأت بهذا المعنى وهو إصابة الجنابة (وصححه الترمذي. وابن خزيمة). ومعنى الحديث قد ورد من طرق سردها في الشرح، وقد أفادت معارضة الحديث الماضي، وأنه يجوز غسل الرجل بفضل المرأة، ويقاس عليه العكس لمساواته له، وفي الأمرين خلاف، والأظهر جواز الأمرين، وأن النهي محمول على التنزيه. [رح8]ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "طُهُورُ إناءِ أحدِكُمْ إذا وَلَغَ فيه الكَلْبُ أن يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بالتُّرابِ" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وفي لَفظٍ لَهُ: "فَلْيُرِقْهُ". وللترمذيِّ: "أُخْراهُنَّ، أوْ أُوْلاهُنَّ بالتراب". (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: طهورَ) قال في الشرح: الأظهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان (إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلب) في القاموس: ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب يلغ (كيهب) ويالغ وولغ كورث ووجل: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه (أنْ يَغْسلَهُ) أي الإناء (سبعَ مَرَّات أوُلاهُنَّ بالتراب أخرجه مسلم، وفي لفظ له فليرقه) أي الماء الذي ولغ فيه، (وللترمذي أخراهن) أي السبع (أو أولاهن بالتراب). دل الحديث على أحكام: أولها: نجاسة فم الكلب من حيث الأمر بالغسل لما ولغ فيه، والإراقة للماء، وقوله: طهور إناء أحدكم؛ فإنه لا غسل إلا من حدث أو نجس، وليس هنا حدث فتعين النجس، والإراقة إضاعة ماله، فلو كان طاهراً لما أمر بإضاعته؛ إذ قد نهى عن إضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه، وألحق به سائر بدنه قياساً عليه، وذلك لأنه إذا ثبت نجاسة لعابه، ولعابه جزء من فمه؛ إذ هو عرق فمه، ففمه نجس؛ إذ العرق جزء متحلب من البدن فكذلك بقية بدنه، إلا أن من قال: إن الأمر بالغسل ليس لنجاسة الكلب قال: يحتمل أنَّ النجاسة في فمه ولعابه؛ إذ هو محل استعماله للنجاسة بحسب الأغلب، وعلق الحكم بالنظر إلى غالب أحواله من أكله النجاسات بفمه ومباشرته لها، فلا يدل على نجاسة عينه، والقول بنجاسة عينه قول الجماهير، والخلاف لمالك وداود والزهري، وأدلة الأولين ما سمعت. وأدلة غيرهم وهم القائلون: إن الأمر بالغسل للتعبد لا للنجاسة، أنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع، إذ نجاسته لا تزيد على العذرة. وأجيب عنه: بأن أصل الحكم الذي هو الأمر بالغسل معقول المعنى ممكن التعليل، أي بأنه للنجاسة. والأصل في الأحكام التعليل فيحمل على الأغلب، والتعبد إنما هو في العدد فقط. كذا في الشرح وهو مأخوذ من شرح العمدة وقد حققنا في حواشيه خلاف ما قرره من أغلبية تعليل الأحكام وطوَّلنا هنالك الكلام. الحكم الثاني: أنه دل الحديث على وجوب سبع غسلات للإناء وهو واضح. ومن قال: لا تجب السبع بل ولوغ الكلب كغيره من النجاسات والتسبيع ندب، استدل على ذلك: بأن راوي الحديث وهو أبو هريرة قال: يغسل من ولوغه ثلاث مرات، كما أخرجه الطحاوي، والدارقطني. وأجيب عن هذا: بأن العمل بما رواه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، لا بما رآه، وأفتى به، وبأنه معارض بما روى عنه أيضاً: أنه أفتى بالغسل سبعاً وهي أرجح سنداً، وترجح أيضاً بأنها توافق الرواية المرفوعة. وبما روى عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: "يُغسلُ ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً" قالوا: فالحديث دل على عدم تعيين السبع وأنه مخير، ولا تخيير في معين، وأجيب عنه، بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة. الحكم الثالث: وجوب التتريب للإناء لثبوته في الحديث، ثم الحديث يدل على تعيين التراب، وأنه في الغسلة الأولى. ومن أوجبه قال: لا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر، أو يطرح الماء على التراب، أو يطرح التراب على الماء. وبعض من قال: بإيجاب التسبيع قال: لا تجب غسلة التراب لعدم ثبوتها عنده، ورد: بأنها قد ثبتت في الرواية الصحيحة بلا ريب، والزيادة من الثقة مقبولة. وأورد على رواية التراب بأنها قد اضطربت فيها الرواية، فروى أولاهن، أو أخراهن، أو إحداهن، أو السابعة، أو الثامنة، والاضطراب قادح، فيجب الاطراح لها. وأجيب عنه: بأنه لا يكون الاضطراب قادحاً إلا مع استواء الروايات، وليس ذلك هنا كذلك؛ فإن رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها. وذلك من وجوه الترجيح عند التعارض. وألفاظ الروايات التي عورضت بها أولاهن لا تقاومها وبيان ذلك: أن رواية أخراهن منفردة لا توجد في شيء من كتب الحديث مسندة. ورواية السابعة بالتراب اختلف فيها، فلا تقاوم رواية أولاهن بالتراب، ورواية إحداهن بالحاء والدال المهملتين ليست في الأمهات، بل رواها البزار، فعلى صحتها، فهي مطلقة يجب حملها على المقيدة، ورواية أولاهن أو أخراهن بالتخيير، إن كان ذلك من الراوي فهو شك منه فيرجع إلى الترجيح، ورواية أولاهن أرجح، وإن كان كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فهو تخيير منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ويرجع إلى ترجيح أولاهن لثبوتها فقط عن الشيخين كما عرفت. وقوله: "إناء أحدكم" الإضافة ملغاة هنا لأن حكم الطهارة والنجاسة لا يتوقف على ملكه الإناء، وكذا قوله: (فلْيغْسلْهُ) لا يتوقف على أن يكون مالك الإناء هو الغاسل. وقوله: وفي لفظ "فليرقه" هي من ألفاظ رواية مسلم، وهي أمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب أو الطعام، وهي من أقوى الأدلة على النجاسة، إذ المراق أعم من أن يكون ماءاً أو طعاماً، فلو كان طاهراً لم يأمر بإراقته كما عرفت. إلا أنه نقل المصنف في فتح الباري: عدم صحة هذه اللفظة عن الحفاظ. وقال ابن عبد البر: لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش. وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بوجه من الوجوه. نعم. أهمل المصنف ذكر الغسلة الثامنة، وقد ثبت عند مسلم "وعفروه الثامنة بالتراب". قال ابن دقيق العيد: إنه قال بها الحسن البصري، ولم يقل بها غيره، ولعل المراد بذلك من المتقدمين. والحديث قوي فيها، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه اهـ. قلت: والوجه أي المستكره في تأويله ذكره النووي فقال: المراد: اغسلوه سبعاً واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة، ومثله قال الدميري في شرح المنهاج، وزاد: أنه أطلق الغسل على التعفير مجازاً. قلت: لا يخفى أن إهمال المصنف لذكرها وتأويل من قال بإخراجها من الحقيقة إلى المجاز كل ذلك محاماة عن المذهب. والحق مع الحسن البصري. هذا، وإن الأمر بقتل الكلاب ثم النهي عنه وذكر ما يباح اتخاذه منها يأتي الكلام عليه في باب الصيد إن شاء الله تعالى. وعن أبي قَتَادَةَ رضي اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ ــــ في الهِرَّةِ ــــ: "إنّها ليْسَتْ بِنَجَسٍ، إنّمَا هي مِنْ الطَّوَّافين علَيْكُمْ" أخرجه الأربعة، وصحّحهُ الترمذي وابنُ خُزَيْمَةَ. (وعن أبي قتادة رضي الله عنه) بفتح القاف فمثناة فوقية بعد الألف دال مهملة اسمه في أكثر الأقوال الحارث بن ربعي بكسر الراء فموحدة ساكنة فمهملة مكسورة ومثناة تحتية مشددة الأنصاري، فارس رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. شهد أحداً وما بعدها، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين بالمدينة، وقيل مات بالكوفة في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وشهد معه حروبه كلها (أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال في الهرة). ص6ص7ص8 |
والحديث له سبب، وهو: أن أبا قتادة سكب له وضوءاً فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، فقيل له في ذلك. فقال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: (إنها ليست بنَجَس) أي فلا ينجس ما لامَسَتْهُ إنما هي من الطُّوَّافينَ) جمع طواف (عليكُمْ) قال ابن الأثير: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، والطواف فعال منه، شبهها بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله أخذاً من قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وفي رواية مالك وأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم. زيادة لفظ: "والطوافات" جمع الأول مذكراً سالماً نظراً إلى ذكور الهر. والثاني مؤنثاً سالماً نظراً إلى إناثها. فإن قلت: قد فات في جمع المذكر السالم شرط كونه يعقل وهو شرط لجمعه علماً وصفة. قلت: لما نزل منزلة من يعقل بوصفه بصفته وهو الخادم أجراه مجراه في جمعه صفة.
وفي التعليل إشارة إلى أنه تعالى لما جعلها بمنزلة الخادم في كثرة اتصالها بأهل المنزل وملابستها لهم، ولما في منزلهم، خفف الله تعالى على عباده بجعلها غير نجس رفعاً للحرج (أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة) وصححه أيضاً البخاري والعقيلي والدارقطني. والحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها، وإن باشرت نجساً، وأنه لا تقييد لطهارة فمها بزمان، وقيل: لا يطهر فمها إلا بمضي زمان من ليلة أو يوم أو ساعة، أو شربها الماء، أو غيبتها حتى يحصل ظن بذلك، أو بزوال عين النجاسة من فمها، وهذا الأخير أوضح الأقوال؛ لأنه مع بقاء عين النجاسة في فمها فالحكم بالنجاسة لتلك العين لا لفمها، فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. وعَنْ أنَسِ بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء أعْرَابِيٌّ فَبَالَ في طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فَلَمَّا قضى بَوْلَهُ أمرَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بذَنُوبٍ مَنْ ماءٍ، فَأُهْرِيقَ عليْهِ مُتّفَقٌ علَيْهِ. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه) هو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي الأنصاري النّجاري الخزرجي. خدم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم منذ قدم المدينة إلى وفاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقدم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المدينة وهو ابن عشر سنين، أو ثمان، أو تسع. أقوال. سكن البصرة من خلافة عمر ليفقه الناس وطال عمره إلى مائة وثلاث وستين، وقيل: أقل من ذلك. قال ابن عبد البر: أصح ما قيل تسع وتسعون سنة. وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى أو اثنتين، أو ثلاث وتسعين. (قال: جاء أعرابي) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب وهم: سكان البادية سواء أكانوا عرباً أو عجماً. وقد ورد تسميته: أنه ذو الخويصرة اليماني وكان رجلاً جافياً (فبال في طائفة المسجد) أي في ناحيته، والطائفة: القطعة من الشيء (فزجره الناس) بالزاي فجيم فراء أي نهروه، وفي لفظ: "فقام إليه الناس ليقعوا به"، وفي أخرى: "فقال أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: مه، مه"، (فنهاهم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) بقوله لهم: "دعوه"، وفي لفظ: "لا تزْرُمُوه" (فلما قضى بوله أمر النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بذنوب) بفتح الذال المعجمة فنون آخره موحدة وهي الدلو الملان ماء، وقيل: العظيمة (من ماء) تأكيد، وإلا فقد أفاده لفظ الذنوب، فهو من باب كتبت بيدي، وفي رواية: "سجلا" بفتح السين المهملة وسكون الجيم، وهو بمعنى الذنوب (فأهريق عليه) أصله: فأريق عليه، ثم أبدلت الهاء من الهمزة فصار فهريق عليه، وهو رواية، ثم زيدت همزة أخرى بعد إبدال الأولى فقيل: فأهريق (متفق عليه) عند الشيخين كما عرفت. والحديث فيه دلالة: على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع، وعلى أن الأرض إذا تنجست طهرت بالماء كسائر المتنجسات، وهل يجزىء في طهارتها غير الماء؟ قيل: تطهرها الشمس والريح؛ فإن تأثيرهما في إزالة النجاسة أعظم إزالة من الماء، ولحديث: "زكاةُ الأرض يُبْسُهَا"، ذكره ابن أبي شيبة. وأجيب: بأنه ذكره موقوفاً، وليس من كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كما ذكر عبد الرزاق: حديث أبي قلابة موقوفاً عليه بلفظ: "جُفوفُ الأرض طَهُورُها" فلا تقوم بهما حجة. والحديث ظاهر في أن صب الماء يطهر الأرض رخوة كانت أو صلبة، وقيل: لا بد من غسل الصلبة كغيرها من المتنجسات، وأرض مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كانت رخوة، فكفى فيها الصب. وكذلك الحديث ظاهر في أنه لا تتوقف الطهارة على نضوب الماء؛ لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئاً، وهو الذي اختاره المهدي في البحر، وفي أنه لا يشترط حفرها وإلقاء التراب، وقيل: إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب؛ لأن الماء لم يعم أعلاها وأسفلها، ولأنه ورد في بعض طرق الحديث: أنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "خذوا ما بال عليه من التُّراب وألقُوهُ وأهْرِيقوا على مكانه ماء". قال المصنف في التلخيص: له إسنادان موصولان. أحدهما عن ابن مسعود، والاخر عن واثلة بن الأسقع، وفيهما مقال: ولو ثبتت هذه الزيادة لبطل قول من قال: إن أرض مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رخوة، فإنه يقول: لا يحفر ويلقى التراب إلا من الأرض الصلبة. وفي الحديث فوائد: منها: احترام المساجد؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما فرغ الأعرابي من بوله دعاه ثم قال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البَوْل ولا القَذر إنما هي لذكْر الله عزَّ وجلَّ وقراءة القران". ولأن الصحابة لما تبادروا إلى الإنكار أقرهم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وإنما أمرهم بالرفق، كما في رواية الجماعة للحديث إلا مسلماً أنه قال: "إنما بُعثْتُم ميسرين ولم تُبْعَثوا مُعَسّرين". ولو كان الإنكار غير جائز لقال إنه لم يأت الأعرابي ما يوجب نهيكم له. ومنها: الرفق بالجاهل وعدم التعنيف، ومنها حسن خلقه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولطفه بالمتعلم، ومنها أن الإبعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن يريد الغائط لا البول؛ فإنه كان عُرْفُ العرب عدم ذلك وأقره الشارع، وقد بال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وجعل رجلاً عند عقبه يستره، ومنها دفع أعظم المضرتين بأخفهما؛ لأنه لو قطع عليه بوله لأضر به، وكان يحصل من تقويمه من محله، مع ما قد حصل من تنجيس المسجد، تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي قد وقع فيه البول أولاً. [رح11]ـــ وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أُحِلّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. فأمّا المَيْتَتَانِ: فالجَرَادُ والحُوتُ، وأمّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطحَالُ" أخرجه أحمد، وابنُ ماجَهْ، وفيه ضعف. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أحلّتْ لَنا مَيْتَتَان) أي بعد تحريمهما الذي دلت عليه الآيات (ودمان) كذلك (فأمّا المَيْتَتان فالجرادُ) أي ميتة (والحوتُ) أي ميتة (وأما الدّمان. فالكبدُ والطِّحالُ) بزنة كتاب (أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف) لأنه رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر. قال أحمد: حديثه منكر، وصح أنه موقوف كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، وإذا ثبت أنه موقوف فله حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم علينا كذا مثل قوله: أمرنا ونهينا، فيتم به الاحتجاج. ويدل على حل ميتة الجراد على أي حال وجدت، فلا يعتبر في الجراد شيء سواء مات حتف أنفه أو بسبب. والحديث حجة على من اشترط موتها بسبب عادي، أو بقطع رأسها، وإلا حرمت. وكذلك يدل على حل ميتة الحوت على أي صفة وجد، طافياً كان أو غيره لهذا الحديث، وحديث "الحلُّ مَيْتَتُهُ". وقيل: لا يحل منه إلا ما كان موته بسبب ادمي، أو جزر الماء، أو قذفه، أو نضوبه، ولا يحل الطافي لحديث: "ما ألقاه البحرُ أو جزَرَ عَنْهُ فكُلُوا. وما مات فيه فطَفَا فلا تأكُلُوهُ" أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر، وهو خاص فيخص به عموم الحديثين. وأجيب عنه: بأنه حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث. قال النووي: حديث جابر لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء كيف وهو معارض اهـ. فلا يخص به العام، ولأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أكل من العنبرة التي قذفها البحر لأصحاب السرية، ولم يسأل بأي سبب كان موتها، كما هو معروف في كتب الحديث والسيرة. والكبد حلال بالإجماع، وكذلك مثلها الطحال فإنه حلال، إلا أنه في البحر قال: يكره لحديث علي رضي الله عنه: "إنه لقمه الشيطان" أي إنه يسر بأكله، إلا أنه حديث لا يعرف من أخرجه. وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا وقَعَ الذُّبَابُ في شرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثمَّ ليَنْزِعْهُ، فإنَّ في أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الاخَرِ شِفَاءً" أخرَجَهُ البخاريُّ وأبو داود، وزادَ: "وإنّهُ يَتَّقِي بجَنَاحِهِ الذي فيهِ الدَّاءُ". (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا وقَعَ الذُّبَابُ في شراب أحدكم") وهو كما أسلفناه من أن الإضافة ملغاة كما في قوله: "إذا ولغَ الكلبُ في إناء أحدكُم" وفي لفظ "في طعام أحدكُم" (فَلْيَغْمسْهُ) زاد في رواية البخاري "كلَّهُ) ، تأكيداً. وفي لفظ أبي داود "فامْقُلوه"، وفي لفظ ابن السكن "فليمقله" (ثمَّ لينْزِعْهُ) فيه: أنه يمهل في نزعه بعد غمسه (فإنَّ في أحد جناحَيْهِ داءً وفي الاخر شفاءً) هذا تعليل للأمر بغمسه. وفي لفظ البخاري "ثم ليطرحه فإن في أحد جنايه شفاء وفي الاخر داء"، وفي لفظ "سما" (أخرجه البخاري وأبو داود. وزاد: وإنّهُ يَتّقِي بجناحهِ الذي فيه الداء). وعند أحمد وابن ماجه: أنه يقدم السم ويؤخر الشفاء. والحديث دليل ظاهر على جواز قتله دفعاً لضرره، وأنه يطرح ولا يؤكل، وأن الذباب إذا مات في مائع فإنه لا ينجسه؛ لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر بغمسه، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولاسيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه لكان أمراً بإفساد الطعام، وهو صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إنما أمر بإصلاحه. ثم عدى هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك؛ إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته، والأمر بغمسه ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء منه. وقد علم أن في الذباب قوة سمية كما يدل عليها الورم والحكة الحاصلة من لسعه وهي بمنزلة السلاح، فإذا وقع فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، كما قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء" أمر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن تقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله. فتقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها، وقد ذكر غير واحد من الأطباء: أن لسعة العقرب والزنبور إذا دلك موضعها بالذباب نفع منه نفعاً بيناً ويسكنها، وما ذلك إلا للمادة التي فيه من الشفاء. وعن أبي واقد الليْثيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهيمَة ــــ وهيَ حَيّةٌ ــــ فهُوَ مَيِّتٌ". أَخْرَجَهُ أَبو داودَ والتِّرْمِذيُّ، وحَسّنَهُ، واللفظُ لَهُ. (وعن أبي واقد) بقاف مكسورة ودال مهملة اسمه الحارث بن عوف من أقوال. قيل: إنه شهد بدراً، وقيل: إنه من مسلمة الفتح، والأول أصح. مات سنة ثمان أو خمس وستين بمكة (الليثي) بمثناة تحتية نسبة إلى ليث لأنه من بني عامر بن ليث (رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ما قُطعَ من البهيمة) في القاموس: البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وكل حي لا يميز. والبهيمة أولاد الضأن والمعز، ولعل المراد هنا الأخير أو الأول لما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (وهي حيّةٌ فَهُوَ) أي المقطوع (ميت أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له) ، أي قال: إنه حسن، وقد عرف معنى الحسن في تعريف الصحيح فيما سلف واللفظ للترمذي. والحديث قد روي من أربع طرق عن أربعة من الصحابة: عن أبي سعيد، وأبي واقد، وابن عمر، وتميم الداري. وحديث أبي واقد هذا رواه أيضاً أحمد والحاكم بلفظ: قدم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المدينة، وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل فقال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت". والحديث دليل على أن ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. وسبب الحديث دال على أنه أريد بالبهيمة ذات الأربع وهو المعنى الأول لذكره الإبل فيه، لا المعنى الأخير الذي ذكره القاموس، لكنه مخصوص بما أبين من السمك ولو كانت ذات أربع، أو يراد به المعنى الأوسط وهو كل حي لا يميز، فيخص منه الجراد، والسمك، وما أبين مما لا دم له. وقد أفاد قوله "فهو ميت" أنه لا بد أن يحل المقطوع الحياة، لأن الميت هو ما من شأنه أن يكون حياً. باب الآنية الآنية جمع إناء وهو معروف؛ وإنما بوب لها، لأنّ الشارع قد نهى عن بعضها، فقد تعلّقت بها أحكام. عن حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تَشْرَبُوا في انيةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، ولا تأكُلُوا في صِحَافِهِمَا، فإنها لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ"، متفق عليه. (عن حذيفة) أي: أروي، أو أذكر، كما سلف، وحذيفة بضم الحاء المهملة فذال معجمة فمثناة تحتية ساكنة ففاء، هو أبو عبد الله حذيفة (بن اليمان) بفتح المثناة التحتية وتخفيف الميم اخره نون، وحذيفة وأبوه صحابيان جليلان شهدا أحداً، وحذيفة صاحب سرّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وروى عنه جماعة من الصحابة، والتابعين. ومات بالمدائن سنة خمس، أو ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا تشربوا في انية الذَّهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما) جمع صحفة. قال الكشاف والكسائي: الصحفة هي ما تشبع الخمسة (فإنها) أي انية الذهب والفضة وصحافهما (لهم) أي: للمشركين، وإن لم يذكروا فهم معلومون (في الدنيا) إخبار عما هم عليه، لا إخبار بحلها لهم، (ولكم في الاخرة، متفق عليه) بين الشيخين. والحديث دليل على تحريم الأكل والشرب في انية الذهب والفضة، وصحافهما، سواء كان الإناء خالصاً ذهباً أو مخلوطاً بالفضة، إذ هو بما يشمله أنه إناء ذهب وفضة. قال النووي: إنه انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيهما. واختلف في العلة: فقيل: للخيلاء. وقيل: بل لكونه ذهباً وفضة. ص9ص10ص11 |
واختلفوا في الإناء المطلي بهما: هل يلحق بهما في التحريم، أم لا؟
فقيل: إن كان يمكن فصلهما حرم إجماعاً؛ لأنه مستعمل للذهب والفضة، وإن كان لا يمكن فصلهما لا يحرم. وأما الإناء المضبب بهما، فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعاً. وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه، فأما غيرهما من سائر الاستعمالات، ففيه الخلاف: قيل: لا يحرم: لأن النص لم يرد إلا في الأكل والشرب. وقيل: يحرم سائر الاستعمالات إجماعاً. ونازع في الأخير بعض المتأخرين وقال: النص ورد في الأكل والشرب لا غير، وإلحاق سائر الاستعمالات بها قياساً لا تتم فيه شرائط القياس. والحقّ ما ذهب إليه القائل: بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو الثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم، ولها نظائر في عباراتهم. ولهذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا؛ لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة؛ لأنه استعمال لهما على مذهبه في تحريم ذلك، وإلاّ فباب هذا الحديث باب الأطعمة والأشربة. ثم هل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار كالياقوت والجواهر؟ فيه خلاف، والأظهر عدم إلحاقه، وجوازه على أصل الإباحة؛ لعدم الدليل الناقل عنها. وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضيَ الله عنها، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "الّذي يَشْرَبُ في إناءِ الْفِضَّةِ إنّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنّم" مُتّفَقٌ علَيْهِ. (وعن أم سلمة رضي الله عنها) هي أم المؤمنين زوج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، اسمها هند بنت أبي أمية، كانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها، وتوفي عنها في المدينة بعد عودتهما من الحبشة، وتزوجها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في المدينة سنة أربع من الهجرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وعمرها أربع وثمانون سنة (قالت: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: الذي يشربُ في إناء الفضَّة) هكذا عند الشيخين. وانفرد مسلم في رواية أخرى بقوله: "في إناء الفضة والذهب" (إنما يجرجر) بضم المثناة التحتية وجيم فراء وجيم مكسورة. والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف، وصوت البعير عند الجرة، وجعل الشرب والجرع جرجرة (في بطنه نار جهنم. متفق عليه) بين الشيخين. قال الزمخشري: يروى برفع النار أي: على أنها فاعل مجازاً، وإلاّ فنار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في بطنه، إنما جعل جرع الإنسان للماء في هذه الأواني المنهي عنها، واستحقاق العقاب على استعمالها: كجرجرة نار جهنم في جوفه مجازاً، هكذا على رواية الرفع. وذكر الفعل يعني يجرجر وإن كان فاعله النار وهي مؤنثة للفصل بينها وبين فعلها، ولأنّ تأنيثها غير حقيقي، والأكثر على نصب جهنم، وفاعل الجرجرة هو الشارب والنار مفعوله، والمعنى: كأنما يجرع نار جهنم من باب: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}. قال النووي: والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون وأهل العرف واللغة، وجزم به الأزهري. وجهنم عجمية لا تنصرف للتأنيث والعلمية؛ إذ هي علم لطبقة من طبقات النار، أعاذنا الله منها، سميت بذلك لبعد قعرها، وقيل: لغلظ أمرها في العذاب. والحديث يدل على ما دل عليه حديث حذيفة الأول. وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِي الله عنهُمَا، قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا دُبِغَ الإهَابُ فقدَ طَهُرَ" أخرجهُ مسلم. وعند الأربعة "أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ". (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: (إذا دبغَ الإهابُ) بزنة كتاب هو الجلد، أو ما لم يدبغ كما في القاموس، ومثله في النهاية (فقد طهر) بفتح الطاء والهاء ويجوز ضمها كما يفيده القاموس (أخرجه مسلم) بهذا اللفظ (وعند الأربعة) وهم أهل السنن: (أيُّما إهابٍ دُبغ) تمامه "فقد طهر". والحديث أخرجه الخمسة، إنما اختلف لفظه، وقد روى بألفاظ، وذكر له سبب، وهو: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مر بشاة ميتة لميمونة فقال: "ألا استمتعتُم بإهابها فإنَّ دباغ الأديم طَهورٌ"، وروى البخاري: من حديث سودة قالت: "ماتت لَنَا شاةٌ فدبغنا مَسْكَها ثُمَّ ما زلنا ننْتبذُ فيه حتى صار شَناً". والحديث دليل على أنّ الدباغ، مطهر لجلد ميتة كلّ حيوان، كما يفيده عموم كلمة "أيما"، وأنه يطهر باطنه وظاهره. وفي المسألة سبعة أقوال: الأول: أنّ الدباغ يطهر جلد الميتة باطنه وظاهره، ولا يخص منه شيء، عملاً بظاهر حديث ابن عباس وما في معناه. وهذا مروي عن علي عليه السلام، وابن مسعود. والثاني من الأقوال: أنه لا يطهر الدباغ شيئاً، وهو مذهب جماهير الهادوية، ويروى عن جماعة من الصحابة مستدلين بحديث الشافعي الذي أخرجه أحمد، والبخاري في تاريخه، والأربعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان: عن عبد الله بن عكيم قال: "أتانا كتاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قبل موته: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود: قبل موته بشهر، وفي رواية: بشهر، أو شهرين. قال الترمذي: حسن. وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمرين، ثم تركه، قالوا ــــ أي: الهادوية: وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عباس لدلالته على تحريم الانتفاع من الميتة بإهابها وعصبها. وأجيب عنه بأجوبة. الأول: أنه حديث مضطرب في سنده، فإنه روى تارة عن كتاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وتارة عن مشايخ من جهينة عمن قرأ كتاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. ومضطرب أيضاً في متنه، فروى من غير تقييد في رواية الأكثر، وروى بالتقييد بشهر، أو شهرين، أو أربعين يوماً، أو ثلاثة أيام، ثم إنه معلّ أيضاً بالإرسال؛ فإنه لم يسمعه عبد الله بن عكيم منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ومعلّ بالانقطاع؛ لأنه لم يسمعه عبد الرحمن بن أبي ليلى من ابن عكيم، ولذلك ترك أحمد بن حنبل القول به آخراً، وكان يذهب إليه أولاً، كما قال عنه الترمذي. وثانياً: بأنه لا يقوى على النسخ؛ لأن حديث الدباغ أصح؛ فإنه مما اتفق عليه الشيخان. وأخرج مسلم، وروى من طرق متعددة في معناه عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، فعن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن المحبق، وعائشة، والمغيرة، وأبي أمامة، وابن مسعود. ولأن الناسخ لا بد من تحقيق تأخره، ولا دليل على تأخر حديث ابن عكيم، ورواية التاريخ فيه بشهر أو شهرين معلة، فلا تقوم بها حجة على النسخ. على أنها لو كانت رواية التاريخ صحيحة، ما دلت على أنه آخر الأمرين جزماً. ولا يقال: فإذا لم يتم النسخ تعارض الحديثان، حديث عبد الله بن عكيم وحديث ابن عباس ومن معه، ومع التعارض يرجع إلى الترجيح أو الوقف؛ لأنا نقول: لا تعارض إلا مع الاستواء وهو مفقود، كما عرفت من صحة حديث ابن عباس، وكثرة من معه من الرواة، وعدم ذلك في حديث ابن عكيم. وثالثاً: بأن الإهاب كما عرفت عن القاموس والنهاية: اسم لما لم يدبغ في أحد القولين. وقال النضر بن شميل: ــــ الإهاب لما لم يدبغ، وبعد الدبغ يقال له: شن وقربة، وبه جزم الجوهري قيل: فلما احتمل الأمرين، وورد الحديثان في صورة المتعارضين، جمعنا بينهما: بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب ما لم يدبغ، فإذا دبغ لم يسم إهاباً، فلا يدخل تحت النهي، وهو حسن. الثالث: يطهر جلد ميتة المأكول لا غيره، لكن يرده عموم "أيما إهاب". الرابع: يطهر الجميع إلاّ الخنزير؛ فإنه لا جلد له وهو مذهب أبي حنيفة. الخامس: يطهر إلاّ الخنزير لكن، لا لكونه لا جلد له، بل لكونه رجساً لقوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والضمير للخنزير، فقد حكم برجسيته كله، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة، وهو قول الشافعي. السادس: يطهر الجميع، لكن ظاهره دون باطنه، فيستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه ولا يصلى فيه، وهو مروي عن مالك جمعاً منه بين الأحاديث لما تعارضت. السابع: ينتفع بجلود الميتة، وإن لم تدبغ ظاهراً وباطناً؛ لما أخرجه البخاري من رواية ابن عباس أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مر بشاة ميتة، فقال: "هلا انتفعتم بإهابه؟ قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها" وهو رأي الزهري. وأجيب عنه: بأنه مطلق قيدته أحاديث الدباغ التي سلفت. وَعَنْ سَلَمَةَ بن الْمُحَبِّقِ رضي الله عَنْهُ، قَالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "دِباغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا"، صححهُ ابنُ حِبّان. (وعن سلمةَ بن المحبِّق رضي الله عنه) هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة المكسورة والقاف. وسلمة صحابي يعد في البصريين، روى عنه ابنه سنان. ولسنان أيضاً صحبة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "دباغ جُلود الميتة طهورها" صححه ابن حبان) أي أخرجه وصححه، وقد أخرج غير ابن حبان هذا الحديث، لكن بألفاظ: عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والبيهقي عن سلمة بلفظ: "دباغ الأديم: ذكاته"، وفي لفظ: "دباغها، ذكاتها"، وفي اخر: "دباغها: طهورها" وفي لفظ: "ذكاتها: دباغها"، وفي لفظ اخر: "ذكاة الأديم: دباغه". وفي الباب أحاديث بمعناه، وهو يدلّ على ما دلّ عليه حديث ابن عباس. وفي تشبيه الدباغ بالذكاة: إعلام بأنّ الدباغ في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإحلال؛ لأن الذبح يطهرها ويحل أكلها. وعن ميْمُونَةَ رضي الله عنها، قالتْ: مَرَّ النَّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بشاةٍ يجرُّونَها، فقال: "لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟" فقالوا: إنّها مَيْتَةٌ، فقالَ: "يُطَهِّرُهَا الماءُ والْقَرَظُ" أخْرَجَهُ أبو داود والنّسائيُّ. (وعن ميمونة رضي الله عنه) هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، كان اسمها برة، فسماها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ميمونة، تزوجها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في شهر ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ست وستين، وقيل: غير ذلك، وهي خالة ابن عباس، ولم يتزوج صلى الله تعالى عليه واله وسلم بعدها (قالت: مر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بشاة يجرُّونها فقال: لو أخذْتُم إهَابَهَا؟ فقالوا: إنها ميتةٌ، فقال: يُطهرها الماءُ والقَرَظُ" أخرجه أبو داود والنسائي) ، وفي لفظ عند الدارقطني عن ابن عباس: "أليس في الماء والقرظ ما يطهرها"، وأما رواية: "أليس في الشث والقرظ ما يطهرها"، فقال النووي: إنه بهذا اللفظ باطل لا أصل له. وقال في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه، ويمنع من ورود الفساد عليه، كالشث، والقرظ، وقشور الرمان، وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب، والرماد، والملح على الأصح. وعن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشْنِيِّ رضي الله عنه، قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله، إنّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ في انيَتِهمْ؟ قالَ: "لا تأكلُوا فيهَا، إلا أنْ لا تَجِدُوا غَيْرَها، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فيها" متفق عَلَيْه. (وعن أبي ثعلبة) بفتح المثلثة بعدها عين مهملة ساكنة فلام مفتوحة فموحدة (الخشني رضي الله عنه) بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون، نسبة إلى خشين بن النمر من قضاعة حذفت ياؤه عند النسبة، واسمه جرهم بضم الجيم بعدها راء ساكنة فهاء مضمومة، ابن ناشب بالنون وبعد الألف شين معجمة اخره موحدة، اشتهر بلقبه، بايع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بيعة الرضوان، وضرب له بسهم يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين، وقيل: غير ذلك (قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في انيتهم؟ قال: "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها". متفق عليه) بين الشيخين. استدل به على نجاسة انية أهل الكتاب، وهل هو لنجاسة رطوبتهم، أو لجواز أكلهم الخنزير، وشربهم الخمر، أو للكراهة؟ ذهب إلى الأول القائلون بنجاسة رطوبة الكفار، وهم الهادوية، والقاسمية. واستدلوا أيضاً بظاهر قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} والكتابي يسمى مشركاً؛ إذ قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله. وذهب غيرهم من أهل البيت كالمؤيد بالله وغيره، وكذلك الشافعي: إلى طهارة رطوبتهم، وهو الحق؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ولأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ من مزادة مشركة، ولحديث جابر عند أحمد، وأبي داود "كنا نغزو مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فنصيب من انية المشركين وأسقيتهم، ولا يعيب ذلك علينا". قلنا: في غيره من الأدلة غنية عنه. فمنها ما أخرجه أحمد من حديث أنس: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأكل منها" بفتح السين وسكون النون المعجمة فخاء مفتوحة أي متغيرة. قال في البحر: لو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين الصحابة نقل توقيهم لها لقلة المسلمين حينئذ، مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوس ومطعوم، والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة. قال: وحديث أبي ثعلبة: إما محمول على كراهة الأكل في انيتهم للاستقذار، لا لكونها نجسة؛ إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطاً بعدم وجدان غيرها، إذ الإناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء، أو لسد ذريعة المحرم، أو لأنها نجسة لما يطبخ فيها، لا لرطوبتهم كما تفيده رواية أبي داود وأحمد بلفظ: "إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في انيتهم الخمر، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إن وجدتم غيرها" الحديث، وحديثه الأول مطلق، وهذا مقيد بانية يطبخ فيها ما ذكر ويشرب، فيحمل المطلق على المقيد. وأما الآية: فالنجس لغة المستقذر، فهو أعم من المعنى الشرعي، وقيل: معناه ذو نجس؛ لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، وبهذا يتم الجمع بين هذا، وبين اية المائدة، والأحاديث الموافقة لحكمها، واية المائدة أصرح في المراد. وعن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهُ: أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وأصحابه توضَّئوا من مزادةِ امرأةٍ مشركةٍ. متفق عليه. في حديث طويلٍ. (وعن عمران بن حصين) بالمهملتين تصغير حصن، وعمران هو أبو نجيد بالجيم تصغير نجد الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين، وكان من فضلاء الصحابة، وفقهائهم (رضي الله عنه: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وأصحابه توضئوا من مزادة) بفتح الميم بعدها زاي ثم ألف وبعد الألف مهملة وهي الراوية، ولا تكون إلا من جلدتين تقام بثالث بينهما لتتسع، كما في القاموس (امرأة مشركة. متفق عليه) بين الشيخين (في حديث طويل) أخرجه البخاري بألفاظ فيها: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعث علياً، واخر معه في بعض أسفاره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقد فقدوا الماء"، فقال: "اذهبا فابتغيا الماء. فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها. فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، قالا: انطلقي إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى أن قال: ودعا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، ونودي في الناس اسقوا، واستسقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء" الحديث، وفيه زيادة ومعجزات نبوية. والمراد أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ من مزادة المشركة، وهو دليل لما سلف في شرح حديث أبي ثعلبة من طهارة انية المشركين، ويدل أيضاً على طهور جلد الميتة بالدباغ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين وذبائحهم ميتة، ويدل على طهارة رطوبة المشرك؛ فإن المرأة المشركة قد باشرت الماء وهو دون القلتين؛ فإنهم صرحوا بأنه لا يحمل الجمل قدر القلتين. ومن يقول: إن رطوبتهم نجسة، ويقول: لا ينجس الماء إلا ما غيره، فالحديث يدل على ذلك. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ قَدَحَ النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم انْكَسَرَ، فاتّخَذَ مَكَانَ الشّعْبِ سَلْسَلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن قدح النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم انكسر، فاتخذ مكان الشعب) بفتح الشين المعجمة وسكون المهملة لفظ مشترك بين معان. والمراد منها هنا: الصدع والشق (سلسلة من فضة) في القاموس سلسلة بفتح أوله وسكون اللام وفتح السين الثانية منها: إيصال الشيء بالشيء، أو سلسلة بكسر أوله: دائر من حديد ونحوه، والظاهر أن المراد الأول، فيقرأ بفتح أوله (أخرجه البخاري). وهو دليل على جواز تضبيب الإناء بالفضة، ولا خلاف في جوازه كما سلف. إلا أنه هنا قد اختلف في واضع السلسلة، فحكى البيهقي عن بعضهم: أن الذي جعل السلسلة هو أنس بن مالك، وجزم به ابن الصلاح، وقال أيضاً: فيه نظر؛ لأن في البخاري من حديث عاصم الأحول: "رأيت قدح النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عند أنس بن مالك، فكان قد انصدع، فسلسله بفضة". وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: "لا تغيرن شيئاً صنعه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فتركه" هذا لفظ البخاري. وهو يحتمل أن يكون الضمير في قوله فسلسله بفضة عائد إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ويحتمل أن يكون عائداً إلى أنس كما قال البيهقي، إلا أن اخر الحديث يدل للأول، وأن القدح لم يتغير عما كان عليه على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. قلت: والسلسلة غير الحلقة التي أراد أنس تغييرها، فالظاهر: أن قوله فسلسله هو النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو حجة لما ذكره. باب إزالة النجاسة وبيانها. أي بيان النجاسة ومطهراتها ص12ص13ص14ص15 |
جزاك الله الف خي أخي الكريم
وجعل الله ما تقدم في ميزان حسناتك موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . |
تابع لكتاب الطهاره
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عَنِ الخَمْرِ: تُتّخَذُ خَلًّا؟ فقال: "لا" أخْرَجَهُ مسلمٌ والتِّرْمذي وقَالَ: حَسَنٌ صحيحٌ. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الخمر) أي بعد تحريمها (تتخذ خلاً. فقال: لا. أخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح) فسر الاتخاذ: بالعلاج لها، وقد صارت خمراً، ومثله حديث أبي طلحة، فإنها لما حرمت الخمر سأل أبو طلحة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن خمر عنده لأيتام: هل يخللها؟ فأمره بإراقتها. أخرجه أبو داود والترمذي. والعمل بالحديث هو رأي الهادوية والشافعي لدلالة الحديث على ذلك، فلو خللها لم تحل، ولم تطهر، وظاهره بأي علاج كان، ولو بنقلها من الظل إلى الشمس أو عكسه، وقيل: تطهر وتحل. وأما إذا تخللت بنفسها من دون علاج فإنها طاهرة حلال. إلا أنه قال في البحر: إن أكثر أصحابنا يقولون: إنها لا تطهر، وإن تخللت بنفسها من غير علاج. واعلم أنّ للعلماء في خل الخمر ثلاثة أقوال: الأول: أنها إذا تخللت الخمر بغير قصد حل خلها، وإذا خللت بالقصد حرم خلها. الثاني: يحرم كل خل تولد عن خمر مطلقاً. الثالث: أن الخل حلال مع تولده من الخمر سواء قصد أم لا، إلا أن فاعلها اثم إن تركها بعد أن صارت خمراً، عاص لله مجروح العدالة؛ لعدم إراقته لها حال خمريتها، فإنه واجب كما دل له حديث أبي طلحة. لكن قال في الشرح: يحل الخل الكائن عن الخمر، فإنه خل لغة وشرعاً. وقيل: وجعل التخلل أيضاً من دون تخمر في صور. منها: إذا صب في إناء معتق بالخل عصير عنب فإنه يتخلل ولا يصير خمراً. ومنها: إذا جردت حبات العنب من عناقيدها، وملىء منها الإناء، وختم رأس الإناء بطين أو نحوه فإنه يتخلل ولا يصير خمراً. ومنها: إذا عصر أصل العنب، ثم ألقي عليه قبل أن يتخلل مثلاه خلاً صادقاً، فإنه يتخلل، ولا يصير خمراً أصلاً. وعنه رضي الله عنه قال: لَمّا كان يَوْمُ خَيْبَر، أَمَرَ رَسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أبا طَلْحَةَ، فَنَادَى: "إنَّ الله ورَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيّةِ، فإنها رِجْسٌ" متفق عليه. (وعنه) أي: عن أنس بن مالك (قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم) بتثنية الضمير لله تعالى ولرسوله. وقد ثبت أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال للخطيب الذي قال في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما الحديث: "بئس خطيب القوم أنت" لجمعه بين ضمير الله تعالى وضمير رسوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقال: قل: "ومن يعص الله ورسوله". فالواقع هنا يعارضه، وقد وقع أيضاً في كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم التثنية بلفظ "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". وأجيب بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى الخطيب؛ لأن مقام الخطابة يقتضي البسط والإيضاح، فأرشده إلى أنه يأتي بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وأنه ليس العتب عليه من حيث جمعه بين ضميره تعالى وضمير رسوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. الثاني أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له أن يجمع بين الضميرين وليس لغيره لعلمه بجلال ربه وعظمة الله. (عن لحوم الحمر الأهلية) كما يأتي (فإنها رجس. متفق عليه) وحديث أنس في البخاري: "أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر، فأمر منادياً ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور بالحمر". والنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث علي عليه السلام، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن أبي أوفى، والبراء، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة، والعرباض بن سارية، وخالد بن الوليد، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمقدام بن معديكرب، وابن عباس، وكلها ثابتة في دواوين الإسلام، وقد ذكر من أخرجها في الشرح. وهي دالة على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وتحريمها هو قول الجماهير من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ لهذه الأدلة. وذهب ابن عباس إلى عدم تحريم الحمر الأهلية؛ وفي البخاري عنه: لا أدري أنهي عنها من أجل أنها كانت حمولة الناس، أو حرمت؟ ولا يخفى ضعف هذا القول؛ لأن الأصل في النهي التحريم وإن جهلنا علته، واستدل ابن عباس بعموم قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} الاية، فإنه تلاها جواباً لمن سأله عن تحريمها، ولحديث أبي داود: "أنه جاء إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم غالب بن أبجر فقال: يا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أصابتنا سنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية" يريد التي تأكل الجلة وهي العذرة. وأجيب: بأن الاية خصت عمومها الأحاديث الصحيحة المتقدمة، وبأن حديث أبي داود مضطرب مختلف فيه اختلافاً كثيراً، وإن صح حمل على الأكل منها عند الضرورة، كما دل عليه قوله: أصابتنا سنة، أي شدة وحاجة. وذكر المصنف لهذين الحديثين في باب النجاسات وتعدادها مبني على أن التحريم من لازمه التنجيس، وهو قول الأكثر، وفيه خلاف. والحق: أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلزم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكذا المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها. وأما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نَجس محرم ولا عكس؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإنه يحرم لبس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعاً. فإذا عرفت هذا فتحريم الحمر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاستهما، بل لا بد من دليل اخر عليه، وإلا بقيتا على الأصل المتفق عليه من الطهارة. فمن ادعى خلافه فالدليل عليه، ولذا نقول: لا حاجة إلى إتيان المصنف بحديث عمرو بن خارجة الاتي قريباً مستدلاً به على طهارة لعاب الراحلة. وأما الميتة فلولا أنه ورد: "دباغ الأديم طهوره" "وأيما إهاب دبغ فقد طهر" لقلنا بطهارتها؛ إذ الوارد في القران تحريم أكلها، لكن حكمنا بالنجاسة لما قام عليها دليل غير دليل تحريمها. وعن عَمرو بن خارجةَ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَنَا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بِمِنَىً، وَهُوَ على رَاحِلَتِهِ، ولُعَابُهَا يسيل على كَتِفِي. أخرَجَهُ أحمَدُ والترمذيُّ وصححه. (وعن عمرو بن خارجة) هو صحابي أنصاري عداده في أهل الشام، وكان حليفاً لأبي سفيان بن حرب، وهو الذي روى عنه عبد الرحمن بن غنم: أنه سمع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول في خطبته: "إنَّ الله قد أعطَى كلَّ ذي حق حقه فلا وصيَّة لوارث" (قال: خطبنا رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بمنىً وهو على راحلته) بالحاء المهملة وهي من الإبل الصالحة لأن ترحل (ولعابها) بضم اللام وعين مهملة وبعد الألف موحدة، هو: ما سال من الفم (يسيلُ على كتفي. أخرجه أحمد، والترمذي وصححه). والحديث: دليل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع، وهو أيضاً الأصل، فذكر الحديث بيان للأصل، ثم هذا مبني على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم علم سيلان اللعاب عليه ليكون تقريراً. وعن عائشة رَضِي الله عنها، قالت: كانَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثم يخرُجُ إلى الصَّلاة في ذلك الثّوبِ، وأنَا أَنْظُرُ إلى أثَرِ الْغَسْلِ. متفق عليه. ولمسْلمٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَرْكاً، فَيُصَلي فِيهِ. وفي لفظ له: لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يابساً بظُفْري مِنْ ثَوْبِهِ. (وعن عائشة رضي الله عنها) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق. أمها أم رومان ابنة عامر. خطبها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بمكة، وتزوجها في شوال سنة عشرة من النبوة، وهي بنت ست سنين، وعرس بها أي دخل بها في المدينة في شوال سنة ثنتين من الهجرة وقيل: غير ذلك، وهي بنت تسع سنين من غير اعتبار الكسر ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، ولم يتزوج بكراً غيرها، واستأذنت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الكنية، فقال لها: تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة، كثيرة الحديث عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، عارفة بأيام العرب وأشعارها. روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، نزلت براءتها من السماء في عشر ايات في سورة النور. توفي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بيتها، ودفن فيه، وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، ودفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفة مروان في المدينة. (قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يغسلُ المنيَّ، ثم يخرُجُ إلى الصَّلاة في ذلك الثّوب، وأنا أنظرُ إلى أثر الغسل فيه. متفق عليه) وأخرجه البخاري أيضاً من حديث عائشة بألفاظ مختلفة: وأنها كانت تغسل المني من ثوبه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وفي بعضها: "وأثَرُ الغسل في ثوبهِ بقع الماء" وفي لفظ: "فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه" وفي لفظ: "وأثر الغسل فيه بقع الماء" وفي لفظ: "ثم أراه فيه بقعة أو بقعاً". إلا أنه قد قال البزار: إن حديث عائشة هذا مداره على سليمان بن يسار، ولم يسمع من عائشة، وسبقه إلى هذا الشافعي في الأم حكاية عن غيره. ورد ما قاله البزار بأن تصحيح البخاري له، وموافقة مسلم له على تصحيحه مفيد لصحة سماع سليمان من عائشة، وأن رفعه صحيح. وبهذا الحديث استدل من قال: بنجاسة المني وهم الهادوية، والحنفية، ومالك، ورواية عن أحمد قالوا: لأن الغسل لا يكون إلا عن نجس، وقياساً على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط؛ لانصباب جميعها إلى مقر وانحلالها عن الغذاء؛ ولأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة والمني منها؛ ولأنه يجري من مجرى البول، فتعين غسله بالماء كغيره من النجاسات، وتأولوا ما يأتي مما يفيده قوله: (ولمُسلم) أي عن عائشة رواية انفرد بلفظها عن البخاري وهي قولها: (لقد كنتُ أفرُكُهُ من ثَوْبِ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَرْكاً) مصدر تأكيدي يقرر أنها كانت تفركه وتحكه، والفرك: الدلك، يقال: فرك الثوب، إذا دلكه (فيصلي فيه، وفي لفظ له) أي لمسلم عن عائشة: (لقد كنتُ أحُكُهُ) أي المني حال كونه (يابساً بظفري من ثوبه). اختص مسلم بإخراج رواية الفرك، ولم يخرجها البخاري. وقد روى الحت والفرك أيضاً البيهقي، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن الجوزي، من حديث عائشة، ولفظ البيهقي: "ربما حتته من ثوب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو يصلي" ولفظ الدارقطني، وابن خزيمة: "أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو يصلي"، ولفظ ابن حبان: "لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو يصلي" رجاله رجال الصحيح؛ وقريب من هذا الحديث: حديث ابن عباس عند الدارقطني. والبيهقي، وقال البيهقي بعد إخراجه: ورواه وكيع، وابن أبي ليلى موقوفاً على ابن عباس، وهو الصحيح اهـ. سئل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق والبزاق وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة". فالقائلون بنجاسة المني: تأولوا أحاديث الفرك هذه: بأن المراد به الفرك مع غسله بالماء وهو بعيد. وقالت الشافعية: المني طاهر، واستدلوا على طهارته بهذه الأحاديث قالوا: وأحاديث غسله محمولة على الندب، وليس الغسل دليل النجاسة، فقد يكون لأجل النظافة، وإزالة الدرن، ونحوه. قالوا: وتشبيهه بالبزاق والمخاط دليل على طهارته أيضاً، والأمر بمسحه بخرقة، أو إذخرة لأجل إزالة الدرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلى، ولو كان نجساً لما أجزأ مسحه. وأما التشبيه للمني بالفضلات المستقذرة من البول والغائط، كما قاله من قال بنجاسته، فلا قياس مع النص. قال الأولون: هذه الأحاديث في فركه وحته إنما هي في منيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وفضلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم طاهرة فلا يلحق به غيره. وأجيب عنه: بأن عائشة أخبرت عن فرك المني من ثوبه، فيحتمل أنه عن جماع، وقد خالطه مني المرأة، فلم يتعين أنه منيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وحده، والاحتلام على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز؛ لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم ولأنه قيل إنه منيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأنه من فيض الشهوة بعد تقدم أسباب خروجه من ملاعبة ونحوها، وأنه لم يخالطه غيره، فهو محتمل، ولا دليل مع الاحتمال. وذهبت الحنفية إلى نجاسة المني كغيرهم؛ ولكن قالوا: يطهره الغسل، أو الفرك، أو الإزالة بالإذخر، أو الخرقة عملاً بالحديثين. وبين الفريقين القائلين بالنجاسة، والقائلين بالطهارة مجادلات، ومناظرات، واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي شرح العمدة. وعن أبي السّمْحِ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، ويُرشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلامِ" أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكمُ. (وعن أبي السمح) بفتح السين المهملة وسكون الميم فحاء مهملة، واسمه إياد بكسر الهمزة ومثناة تحتية مخففة بعد الألف دال مهملة، وهو خادم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له حديث واحد (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "يُغْسَلُ من بَوْلِ الجارية) في القاموس: أن الجارية فتية النساء (ويرش منْ بَوْل الغُلام" أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم). وأخرج الحديث أيضاً البزار، وابن ماجه، وابن خزيمة من حديث أبي السمح قال: "كنت أخدم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فأتي بحسن أو حسين، فبال على صدره فجئت أغسله، فقال: "يغسل من بول الجارية"، الحديث. وقد ص16ص17ص18 |
تابع لكتاب الطهاره
رواه أيضاً أحمد، وأبو داود وابن خزيمة، وابن ماجه، والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: "كان الحسين وذكرت الحديث" وفي لفظه: "يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر" ورواه المذكورون، وابن حبان من حديث علي عليه السلام قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بول الرضيع: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية" قال قتادة راويه: هذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا. وفي الباب أحاديث مرفوعة، وهي كما قال الحافظ البيهقي: إذا ضم بعضها إلى بعض قويت. والحديث دليل على الفرق بين بول الغلام وبول الجارية في الحكم، وذلك قبل أن يأكلا الطعام، كما قيده به الراوي، وقد روي مرفوعاً أي بالتقييد بالطعم لهما. وفي صحيح ابن حبان، والمصنف لابن أبي شيبة عن ابن شهاب: "مضت السنة أن يرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان"، والمراد ما لم يحصل لهم الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال؛ وقيل: غير ذلك. وللعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب: الأول: للهادوية، والحنفية، والمالكية، أنه يجب غسلها كسائر النجاسات قياساً لبولهما على سائر النجاسات، وتأولوا الأحاديث، وهو تقديم للقياس على النص. الثاني: وجه للشافعية، وهو أصح الأوجه عندهم: أنه يكفي النضح في بول الغلام، لا الجارية، فكغيرها من النجاسات، عملاً بالأحاديث الواردة بالتفرقة بينهما، وهو قول علي عليه السلام، وعطاء، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. والثالث: يكفي النضح فيهما وهو كلام الأوزاعي. وأما هل بول الصبي طاهر أو نجس؟ فالأكثر: على أنه نجس، وإنما خفف الشارع تطهيره. واعلم أن النضح كما قاله النووي في شرح مسلم: هو أن الشيء الذي أصابه البول يغمر، ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء، وتردده، وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره؛ فإنه يشترط أن تكون بحيث يجري عليها بعض الماء، ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، وهو قول إمام الحرمين، والمحققين. وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بكر رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ ــــ في دَمِ الحَيْضِ يُصيبُ الثّوبَ ــــ: "تَحُتُّهُ، ثمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلي فيهِ" متفق عليه. (وعن أسماء) بفتح الهمزة وسين مهملة فميم فهمزة ممدودة (بنت أبي بكر رضي الله عنهما) وهي أم عبد الله بن الزبير. أسلمت بمكة قديماً، وبايعت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، وماتت بمكة بعد أن قتل ابنها بأقل من شهر، ولها من العمر مائة سنة، وذلك سنة ثلاث وسبعين، ولم تسقط لها سن، ولا تغير لها عقل، وكانت قد عميت. (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته") بالفتح للمثناة الفوقية وضم الحاء المهملة وتشديد المثناة الفوقية، أي تحكه، والمراد بذلك إزالة عينه (ثمَّ تقرُصُهُ بالماء) أي الثوب، وهو بفتح المثناة الفوقية وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين: أي تدلك ذلك الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه (ثم تَنْضَحُهُ) بفتح الضاد المعجمة: أي تغسله بالماء (ثمَّ تصلي فيه" متفق عليه). ورواه ابن ماجه بلفظ: "اقرصيه بالماء واغسليه" ولابن أبي شيبة بلفظ: "اقرصيه بالماء، واغسليه، وصلي فيه". وروى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن: "أنها سألت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: "حكيه بصلع، واغسليه بماء وسدر" قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة، وقوله: بصلع بصاد مهملة مفتوحة فلام ساكنة وعين مهملة: الحجر. والحديث دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى وجوب غسله، والمبالغة في إزالته بما ذكر من الحت، والقرص، والنضح لإذهاب أثره، وظاهره: أنه لا يجب غير ذلك، وإن بقي من العين بقية، فلا يجب الحاد لإذهابها؛ لعدم ذكره في الحديث أي حديث أسماء، وهو محل البيان؛ ولأنه قد ورد في غيره: "ولا يضرك أثره". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالتْ خَوْلَةُ: يا رسُول الله، فإنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قالَ: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ، ولا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ" أخرجه الترمذي. وسنده ضعيف. (وعن أبي هريرة قال: قالت خولة) بالخاء المعجمة مفتوحة وسكون الواو وهي بنت يسار، كما أفاده ابن عبد البر في الاستيعاب حيث قال: خولة بنت يسار (يا رسول الله فإن لم يذهب الدم قال: يكفيك الماءُ ولا يضُرُّكِ أثَرُهُ. أخرجه الترمذي وسنده ضعيف) ، وكذلك أخرجه البيهقي، لأن فيه ابن لهيعة. وقال إبراهيم الحربي: لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث. ورواه الطبراني في الكبير من حديث خولة بنت حكيم بإسناد أضعف من الأول. وأخرجه الدارمي من حديث عائشة موقوفاً عليها: "إذا غسلت المرأة الدم، فلم يذهب فلتغيره بصفرة أو زعفران" رواه أبو داود عنها موقوفاً أيضاً، وتغييره بالصفرة والزعفران ليس لقلع عينه، بل لتغطية لونه تنزهاً عنه. والحديث دليل لما أشرنا: من أنه لا يجب استعمال الحاد لقطع أثر النجاسة وإزالة عينها. وبه أخذ جماعة من أهل البيت، ومن الحنفية، والشافعية. واستدل من أوجب الحاد وهم الهادوية: بأن المقصود من الطهارة أن يكون المصلى على أكمل هيئة وأحسن زينة. ولحديث: "اقرصيه وأميطيه عنك بإذخرة". قال في الشرح: ــــ وقد عرفت أن ما ذكره يفيد المطلوب، وأن القول الأول أظهر، هذا كلامه. وقد يقال: ــــ قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد، والحديث الوارد به في غاية الصحة كما عرفت، فيقيد به ما أطلق في غيره، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض، ولا يقاس عليه غيره من النجاسات، وذلك لعدم تحقق شروط القياس، ويحمل حديث: "ولا يضرك أثره" وحديث عائشة، وقولها: فلم يذهب، أي بعد الحاد. فهذه الأحاديث في هذا الباب اشتملت من النجاسات على: الخمر، ولحوم الحمر الأهلية، والمني، وبول الجارية، والغلام، ودم الحيض. ولو أدخل المصنف بول الأعرابي في المسجد، ودباغ الأديم، ونحوه في هذا الباب، لكان أوجه. باب الوضوء في القاموس الوضوء يأتي بالضم الفعل وبالفتح ماؤه ومصدر أيضا أو لغتان ويعني بهما المصدر وقد يعنى بهما الماء يقال توضأت للصلاة وتوضيت لغية أو لثغة أهـ واعلم أن الوضوء من أعظم شروط الصلاة وقد ثبت عند الشيخين من حديث أبي هريرة مرفوعا إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وثبت حديث الوضوء شطر الإيمان وأنزل الله فريضته من السماء في قوله يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون الاية وهي مدنية واختلف العلماء هل كان فرض الوضوء بالمدينة أو بمكة فالمحققون على أنه فرض بالمدينة لعدم النص الناهض على خلافه ، وورد في الوضوء فضائل كثيرة منها حديث أبي هريرة عند مالك وغيره مرفوعا إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع اخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع اخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع اخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب. وأشمل منه ما أخرجه مالك أيضا من حديث عبد الله الصنابحي بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة اخره مهملة نسبة إلى صنابح بطن من مراد وهو صحابي قال إن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له وفي معناهما عدة أحاديث ، ثم هل الوضوء من خصائص هذه الأمة فيه خلاف المحققون على أنه ليس من خصائصها إنما الذي من خصائصها الغرة والتحجيل عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا. المعلق هو ما يسقط من أول إسناده راو فأكثر. قال في الشرح الحديث متفق عليه عند الشيخين من حديث أبي هريرة وهذا لفظه ، قال ابن منده إسناده مجمع على صحته. قال النووي غلط بعض الكبار فزعم أن البخاري لم يخرجه. قلت وظاهر صنيع المصنف هنا يقضي بأنه لم يخرجه واحد من الشيخين وهو من أحاديث عمدة الأحكام التي لا يذكر فيها إلا ما أخرجه الشيخان إلا أنه بلفظ عند كل صلاة. وفي معناه عدة أحاديث عن عدة من الصحابة منها عن علي عليه السلام عند أحمد وعن زيد بن خالد عند الترمذي وعن أم حبيبة عند أحمد وعن عبد الله بن عمر وسهل بن سعد وجابر وأنس عند أبي نعيم وأبي أيوب عند أحمد والترمذي ومن حديث ابن عباس وعائشة عند مسلم وأبي داود وورد الأمر به من حديث تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم أخرجه ابن ماجه وفيه ضعف ولكن له شواهد عديدة دالة على أن للأمر به أصلا. وورد في أحاديث أن السواك من سنن المرسلين وأنه من خصال الفطرة وأنه من الطهارات وأن فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفا أخرجها أحمد وابن خزيمة والحاكم والدارقطني وغيرهم. قال في البدر المنير قد ذكر في السواك زيادة على مائة حديث فواعجبا لسنة تأتي فيها الأحاديث الكثيرة ثم يهملها كثير من الناس بل كثير من الفقهاء فهذه خيبة عظيمة. هذا ولفظ السواك بكسر السين في اللغة يطلق على الفعل وعلى الالة ويذكر ويؤنث وجمعه سوك ككتاب وكتب ويراد به في الاصطلاح استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها قلت وعند ذهاب الأسنان أيضا يشرع لحديث عائشة قلت يا رسول الله الرجل يذهب فوه ويستاك قال نعم ، قلت وكيف يصنع قال يدخل أصبعه في فيه أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه ضعف. وأما حكمه فهو سنة عند جماهير العلماء وقيل بوجوبه وحديث الباب دليل على عدم وجوبه لقوله في الحديث لأمرتهم أي أمر إيجاب فإنه ترك الأمر به لأجل المشقة لا أمر الندب فإنه قد ثبت بلا مرية والحديث دل على تعيين وقته وهو عند كل وضوء وفي الشرح أنه يستحب في جميع الأوقات ويشتد استحبابه في خمسة أوقات أحدها عند الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو تراب أو غير متطهر كمن لم يجد ماء ولا ترابا الثاني عند الوضوء الثالث عند قراءة القران الرابع عند الاستيقاظ من النوم الخامس عند تغير الفم قال ابن دقيق العيد السر فيه أي في السواك عند الصلاة أنا مأمورون في كل حال من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة وقد قيل إن ذلك الأمر يتعلق بالملك وهو أنه يضع فاه على القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة فسن السواك لأجل ذلك وهو وجه حسن ، ثم ظاهر الحديث أنه لا يخص صلاة في استحباب السواك لها في إفطار ولا صيام.والشافعي يقول لا يسن بعد الزوال في الصوم لئلا يذهب به خلوف الفم المحبوب إلى الله تعالى. وأجيب بأن السواك لا يذهب به الخلوف فإنه صادر من خلو المعدة ولا يذهب بالسواك ، ثم هل يسن ذلك للمصلي وإن كان متوضئا كما يدل له حديث عند كل صلاة قيل نعم يسن ذلك وقيل لا يسن إلا عند الوضوء لحديث مع كل وضوء وأنه يقيد إطلاق عند كل صلاة بأن المراد عند وضوء كل صلاة ولو قيل إنه يلاحظ المعنى الذي لأجله شرع السواك فإن كان قد مضى وقت طويل يتغير فيه الفم بأحد المغيرات التي ذكرت وهي أكل ما له رائحة كريهة وطول السكوت وكثرة الكلام وترك الأكل والشرب شرع السواك وإن لم يتوضأ وإلا فلا لكان وجها وقوله في رسم السواك اصطلاحا أو نحوه أي نحو العود ويريدون به كل ما يزيل التغير كالخرقة الخشنة والأصبع الخشنة والأشنان. والأحسن أن يكون السواك عود أراك متوسطا لا شديد اليبس فيجرح اللثة ولا شديد الرطوبة فلا يزيل ما يراد إزالته. وعن حمران أن عثمان دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاث مرات ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه ثم غسل رجله ص19ص20ص21 |
تابع لكتاب الطهاره
اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم اليسرى مثل ذلك ثم قال رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ نحو وضوئي هذا متفق عليه. وعن حمران رضي الله عنه بضم الحاء المهملة وسكون الميم وبالراء هو ابن أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وهو مولى عثمان بن عفان أرسله له خالد بن الوليد من بعض من سباه في مغازيه فأعتقه عثمان أن عثمان هو ابن عفان تأتي ترجمته قريبا دعا بوضوء أي بماء يتوضأ به فغسل كفيه ثلاث مرات هذا من سنن الوضوء باتفاق العلماء وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ الذي سيأتي حديثه بل هذا سنة الوضوء فلو استيقظ وأراد الوضوء فظاهر الحديثين أنه يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات ثم للوضوء كذلك ويحتمل تداخلهما ، ثم تمضمض المضمضة أن يجعل الماء في الفم ثم يمجه وكمالها أن يجعل الماء في فثه ثم يديره ثم يمجه كذا في الشرح وفي القاموس المضمضة تحريك الماء في الفم فجعل من مسماها التحريك ولم يجعل منه المج ولم يذكر في حديث عثمان هل فعل ذلك مرة أو ثلاثا لكن في حديث علي عليه السلام أنه مضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل هذا ثلاثا ثم قال هذا طهور نبي الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واستنشق الاستنشاق إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه واستنثر الاستثنار عند جمهور أهل اللغة والمحدثين والفقهاء إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى فيه بيان لما أجمل في الاية من قوله يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون الآية وأنه يقدم اليمنى إلى المرفق بكسر ميمه وفتح فائه وبفتحها وكسر فائه ،وكلمة إلى في الأصل للانتهاء وقد تستعمل بمعنى مع وبينت الأحاديث أنه المراد كما في حديث جابر كان يدير الماء على مرفقيه أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ، أخرجه الدارقطني بسند ضعيف وأخرج بسند حسن في صفة وضوء عثمان أنه غسل يديه إلى المرفقين حتى مسح أطراف العضدين وهو عند البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه ثم غسل ذراعيه حتى سال الماء على مرفقيه فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا. قال إسحاق بن راهويه إلى في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى مع فبينت السنة أنها بمعنى مع. قال الشافعي لا أعلم خلافا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء وبهذا عرفت أن الدليل قد قام على دخول المرافق قال الزمخشري لفظ إلى يفيد معنى الغاية مطلقا فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل ثم ذكر أمثلة لذلك وقد عرفت أنه قد قام ها هنا الدليل على دخولها ثلاث مرات ثم اليسرى مثل ذلك أي إلى المرافق ثلاث مرات ثم مسح برأسه هو موافق للاية في الإتيان بالباء ومسح يتعدى بها وبنفسه. قال القرطبي إن الباء هنا للتعدية يجوز حذفها وإثباتها وقيل دخلت الباء ها هنا لمعنى تفيده وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به فلو قال امسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء وكأنه قال فامسحوا برؤوسكم الماء وهو من باب القلب والأصل فيه فامسحوا بالماء رؤوسكم. ثم اختلف العلماء هل يجب مسح الرأس أو بعضه قالوا والاية لا تقتضي أحد الأمرين بعينه إذ قوله وامسحوا برءوسكم يحتمل جميع الرأس أو بعضه ولا دلالة في الاية عل استيعابه ولا عدم استيعابه لكن من قال يجزىء مسح بعضه قال إن السنة وردت مبينة لأحد احتمالي الاية وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه وهو وإن كان مرسلا فقد اعتضد بمجيئه مرفوعا من حديث أنس وهو وإن كان في سنده مجهول فقد عضد بما أخرجه سعيد بن منصور من حديث عثمان في صفة الوضوء أنه مسح مقدم رأسه وفيه راو مختلف فيه. وثبت عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس قاله ابن المنذر وغيره ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، ومن العلماء من يقول لا بد من مسح البعض مع التكميل على العمامة لحديث المغيرة وجابر بن مسلم ، ولم يذكر في هذه الرواية تكرار مسح الرأس كما ذكره في غيرها وإن كان قد طوى ذكر التكرار أيضا في المضمضة كما عرفت وعدم الذكر لا دليل فيه ويأتي الكلام في ذلك ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات الكلام في ذلك كما تقدم في يده اليمنى إلى المرفق إلا أن المرافق قد اتفق على مسماها بخلاف الكعبين فوقع في المراد بهما خلاف المشهور أنه العظم الناشز عند ملتقى الساق وهو قول الأكثر وحكى عن أبي حنيفة والإمامية أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك وفي المسألة مناظرات ومقاولات طويلة قال في الشرح ومن أوضح الأدلة أي على ما قاله الجمهور حديث النعمان بن بشير في صفة الصف في الصلاة فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه قلت ولا يخفى أنه لا ينهض فيه لأن المخالف يقول أنا أسميه كعبا ولا أخالفكم فيه لكني أقول إنه غير المراد في اية الوضوء إذ الكعب يطلق على الناشز وعلى ما في ظهر القدم وغاية ما في حديث النعمان أنه سمي الناشز كعبا ولا خلاف في تسميته وقد أيدنا في حواشي ضوء النهار أرجحية مذهب الجمهور بأدلة هنالك ثم اليسرى مثل ذلك أي الكعبين ثلاث مرات ثم قال أي عثمان رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ نحو وضوئي هذا متفق عليه. وتمام الحديث فقال أي رسول صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه أي لا يحدث نفسه فيهما بأمور الدنيا وما لا تعلق له بالصلاة ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عفى عنه ولا يعد محدثا لنفسه واعلم أن الحديث قد أفاد الترتيب بين الأعضاء المعطوفة بثم وأفاد التثليث ولم يدل على الوجوب لأنه إنما هو صفة فعل ترتبت عليه فضيلة ولم يترتب عليه عدم إجزاء الصلاة إلا إذا كان بصفته ولا ورد بلفظ يدل على إيجاب صفاته. فأما الترتيب فخالفت فيه الحنفية وقالوا لا يجب وأما التثليث فغير واجب بالإجماع وفيه خلاف شاذ. ودليل عدم وجوبه تصريح الأحاديث بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ مرتين مرتين ومرة مرة وبعض الأعضاء ثلثها وبعضها بخلاف ذلك وصرح في وضوء مرة مرة أنه لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وأما المضمضة والاستنشاق فقد اختلف في وجوبهما ، فقيل يجبان لثبوت الأمر بهما في حديث أبي داود بإسناد صحيح ، وفيه وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأنه واظب عليهما في جميع وضوئه. وقيل إنهما سنة بدليل حديث أبي داود والدارقطني وفيه إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين فلم يذكر المضمضمة والاستنشاق فإنه اقتصر فيه على الواجب الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به وحينئذ فيؤول حديث الأمر بأنه أمر ندب. وعن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال ومسح برأسه واحدة. أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح ، بل قال الترمذي إنه أصح شيء في الباب وعن علي عليه السلام هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال على خلاف في سنه كم كان وقت إسلامه وليس في الأقوال أنه بلغ ثماني عشرة بل مترددة بين ست عشرة إلى سبع سنين شهد المشاهد كلها إلا تبوك فأقامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في المدينة خليفة عنه وقال له أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. استخلف يوم قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشر خلت من شهر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين واستشهد صبح الجمعة بالكوفة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث من ضربة الشقي ابن ملجم له وقيل غير ذلك وخلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأيام وقد ألفت في صفاته وبيان أحواله كتب جمة واستوفينا شطرا صالحا من ذلك في الروضة الندية شرح التحفة العلوية. في صفة وضوء النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال ومسح برأسه واحدة. أخرجه أبو داود هو قطعة من حديث طويل استوفى فيه صفة الوضوء من أوله إلى اخره وهو يفيد ما أفاد حديث عثمان وإنما أتى المصنف بما فيه التصريح بما لم يصرح به في حديث عثمان وهو مسح الرأس مرة فإنه نص أنه واحدة مع تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء وقد اختلف العلماء في ذلك فقال قوم بتثليث مسحه كما يثلث غيره من الأعضاء إذ هو من جملتها وقد ثبت في الحديث تثليثه وإن لم يذكر في كل حديث ذكر فيه تثليث الأعضاء فإنه قد أخرج أبو داود من حديث عثمان في تثليث المسح أخرجه من وجهين صحح أحدهما ابن خزيمة وذلك كاف في ثبوت هذه السنة. وقيل لا يشرع تثليثه لأن أحاديث عثمان الصحاح كلها كما قال أبو داود تدل على مسح الرأس مرة واحدة وبأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل ، أجيب بأن كلام أبي داود ينقضه ما رواه هو وصححه ابن خزيمة كما ذكرناه. والقول بأن المسح مبني على التخفيف قياس في مقابلة النص فلا يسمع فالقول بأنه يصير في صورة الغسل لا يبالي به بعد ثبوته عن الشارع ثم رواية الترك لا تعارض رواية الفعل وإن كثرت رواية الترك إذ الكلام في أنه غير واجب بل سنة من شأنها أن تفعل أحيانا وتترك أحيانا. وأخرجه أي حديث علي عليه السلام النسائي والترمذي بإسناد صحيح بل قال الترمذي إنه أصح شيء في الباب وأخرجه أبو داود من ست طرق وفي بعض طرقه لم يذكر المضمضة والاستنشاق وفي بعض ومسح على رأسه حتى لم يقطر. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما في صفة الوضوء قال ومسح رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم برأسه فأقبل بيديه وأدبر. متفق عليه وفي لفظ لهما بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم هو الأنصاري المازني من مازن بن النجار شهد أحدا وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب وشاركه وحشي وقتل عبد الله يوم الحرة سنة ثلاث وستين ، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي يأتي حديثه في الأذان وقد غلط فيه بعض أئمة الحديث فلذا نبهنا عليه في صفة الوضوء قال ومسح رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم برأسه فأقبل بيديه وأدبر متفق عليه فسر الإقبال بهما بأنه بدأ من مؤخر رأسه فإن الإقبال باليد إذا كان مقدما يكون من مؤخر الرأس إلا أنه قد ورد في البخاري بلفظ وأدبر بيديه وأقبل واللفظ الآخر في قوله وفي لفظ لهما أي للشيخين بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما أي اليدين إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. الحديث يفيد صفة المسح للرأس وهو أن يأخذ الماء ليديه فيقبل بهما ويدبر. وللعلماء ثلاثة أقوال الأول يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه فيذهب إلى القفا ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه وهذا هو الذي يعطيه ظاهر قوله بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه إلا أنه أورد على هذه الصفة أنه أدبر بهما وأقبل لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار ورجوعه إلى الوجه إقبال. وأجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب فالتقدير أدبر وأقبل والثاني أن يبدأ بمؤخر رأسه ويمر إلى جهة الوجه ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ أقبل وأدبر فالإقبال إلى مقدم الوجه والإدبار إلى ناحية المؤخر وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح بدأ بمؤخر رأسه. ويحمل الاختلاف في لفظ الأحاديث على تعدد الحالات والثالث أن يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية. ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله بدأ بمقدم رأسه مع المحافظة على ظاهر لفظ أقبل وأدبر لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ بمقدم رأسه وصدق أنه أقبل أيضا فإنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل وقد أخرج أبو داود من حديث المقدام أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهي عبارة واضحة في المراد ، والظاهر أن هذا من العمل المخير فيه وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في صفة الوضوء قال ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وعن عبد الله بن عمرو بفتح العين المهملة وهو أبو عبد الرحمن أو أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي يلتقي مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في كعب بن لؤي أسلم عبد الله قبل أبيه وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة وكان عبد الله عالما حافظا عابدا ، وكانت وفاته سنة ثلاث وستين وقيل وسبعين وقيل غير ذلك واختلف في موضع وفاته فقيل بمكة أو الطائف أو مصر أو غير ذلك في صفة الوضوء قال ثم مسح أي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين بالمهملة فموحدة فألف بعدها مهملة تثنية سباحة وأراد بهما مسبحتي اليد اليمنى واليسرى وسميت سباحة لأنه يشار بها عند التسبيح في أذنيه ومسح بإبهاميه إبهامي يديه ظاهر أذنيه. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحديث كالأحاديث الأول في صفة الوضوء إلا أنه أتى به المصنف لما ذكر من إفادة مسح الأذنين الذي لم تفده الأحاديث التي سلفت ولذا اقتصر على ذلك من الحديث ومسح الأذنين قد ورد في عدة من الأحاديث من حديث المقدام بن معديكرب عند أبي داود والطحاوي بإسناد حسن ص22ص23ص24 |
ومن حديث الربيع أخرجه أبو داود أيضا ومن حديث أنس عند الدارقطني والحاكم
ومن حديث عبد الله بن زيد وفيه أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه وسيأتي وقال فيه البيهقي هذا إسناد صحيح وإن كان قد تعقبه ابن دقيق العيد وقال الذي في ذلك الحديث ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ولم يذكر الأذنين وأيده المصنف بأنه عند ابن حبان والترمذي كذلك واختلف العلماء هل يؤخذ للأذنين ماء جديد أو يمسحان ببقية ما مسح به الرأس والأحاديث قد وردت بهذا وهذا وسيأتي الكلام عليه قريبا وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه. متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا استيقظ أحدكم من منامه ظاهره ليلا أو نهارا فليستنثر ثلاثا في القاموس استنثر استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الأنف اه وقد جمع بينهما في بعض الأحاديث فمع الجمع يراد من الاستنثار دفع الماء من الأنف ومن الاستنشاق جذبه إلى الأنف فإن الشيطان يبيت على خيشومه هو أعلى الأنف وقيل الأنف كله وقيل عظام رقاق لينة في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ وقيل غير ذلك متفق عليه الحديث دليل على وجوب الاستنثار عند القيام من النوم مطلقا إلا أن في رواية للبخاري إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان الحديث فيقيد الأمر المطلق به هنا بإرادة الوضوء ويقيد النوم بمنام الليل كما يفيده لفظ يبيت إذ البيتوتة فيه ، وقد يقال إنه خرج على الغالب فلا فرق بين نوم الليل ونوم النهار والحديث من أدلة القائلين بوجوب الاستنثار دون المضمضة وهو مذهب أحمد وجماعة ، وقال الجمهور لا يجب بل الأمر للندب واستدلوا بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم للأعرابي توضأ كما أمرك الله وعين له ذلك في قوله لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين كما أخرجه أبو داود من حديث رفاعة ولأنه قد ثبت من روايات صفة وضوئه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من حديث عبد الله بن زيد وعثمان وابن عمرو بن العاص عدم ذكرهما مع استيفاء صفة وضوئه وثبت ذكرهما أيضا وذلك من أدلة الندب. وقوله يبيت الشيطان قال القاضي عياض يحتمل أن يكون على حقيقته فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها بالاشتمام وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين وفي الحديث إن الشيطان لا يفتح غلقا وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم ويحتمل الاستعارة فإن الذي ينعقد من الغبار من رطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان ، قلت والأول أظهر. وعنه إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده. متفق عليه وهذا لفظ مسلم وعنه أي أبي هريرة عند الشيخين أيضا إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده خرج ما إذا أدخل يده بالمغرفة ليستخرج الماء فإنه جائز إذ لا غمس فيه لليد وقد ورد بلفظ لا يدخل لكن يراد به إدخالها للغمس لا للأخذ في الإناء يخرج البرك والحياض حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده متفق عليه وهذا لفظ مسلم الحديث يدل على إيجاب غسل اليد لمن قام من نومه ليلا أو نهارا وقال بذلك من نوم الليل أحمد لقوله باتت فإنه قرينة إرادة النوم بالليل كما سلف إلا أنه قد ورد بلفظ إذا قام أحدكم من الليل عند أبي داود والترمذي من وجه اخر صحيح إلا أنه يرد عليه أن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل. وذهب غيره وهو الشافعي ومالك وغيرهما إلى أن الأمر في رواية فليغسل للندب والنهي الذي في هذه الرواية للكراهة والقرينة عليه ذكر العدد فإن ذكره في غير النجاسة العينية دليل الندب ولأنه علل بأمر يقتضي الشك والشك لا يقتضي الوجوب في هذا الحكم استصحابا لأصل الطهارة ولا تزول الكراهة إلا بالثلاث الغسلات وهذا في المستيقظ من النوم وأما من يريد الوضوء من غير نوم فيستحب له لما مر في صفة الوضوء ولا يكره الترك لعدم ورود النهي فيه والجمهور على أن النهي والأمر لاحتمال النجاسة في اليد وأنه لو درى أين باتت يده كمن لف عليها فاستيقظ وهي على حالها فلا يكره له أن يغمس يده وإن كان غسلهما مستحبا كما في المستيقظ وغيرهم يقولون الأمر بالغسل تعبد فلا فرق بين الشاك والمتيقن وقولهم أظهر كما سلف وعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة ولأبي داود في رواية إذا توضأت فمضمض وعن لقيط بفتح اللام وكسر القاف ابن عامر ابن صبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة كنيته أبو رزين كما قاله ابن عبد البر صحابي مشهور عداده في أهل الطائف قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أسبغ الوضوء الإسباغ الإتمام واستكمال الأعضاء وخلل بين الأصابع ظاهر في إرادة أصابع اليدين والرجلين وقد صرح بهما في حديث ابن عباس إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك يأتي من أخرجه قريبا وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة ولأبي داود في رواية إذا توضأت فمضمض وأخرجه أحمد والشافعي وابن الجارود وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي والبغوي وابن القطان. والحديث دليل على وجوب إسباغ الوضوء وهو إتمامه واستكمال الأعضاء وفي القاموس أسبغ الوضوء أبلغه مواضعه ووفى كل عضو حقه وفي غيره مثله فليس التثليث للأعضاء من مسماه ولكن التثليث مندوب ولا يزيد على الثلاث فإن شك هل غسل العضو مرتين أو ثلاثا جعلها مرتين ، وقال الجويني يجعل ذلك ثلاثا ولا يزيد عليها مخافة من ارتكاب البدعة وأما ما روي عن ابن عمر أنه كان يغسل رجليه سبعا ففعل صحابي لا حجة فيه ومحمول على أنه كان يغسل الأربع من نجاسة لا تزول إلا بذلك ودليل على إيجاب تخليل الأصابع وقد ثبت من حديث ابن عباس أيضا كما أشرنا إليه وهو الذي أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه والحاكم وحسنه البخاري وكيفيته أن يخلل بيده اليسرى بالخنصر منها ويبدأ بأسفل الأصابع ، وأما كون التخليل باليد اليسرى فليس في النص وإنما قال الغزالي إنه يكون بها قياسا على الاستنجاء. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث المستورد بن شداد رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا توضأ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه وفي لفظ لابن ماجه يخلل بدل يدلك. والحديث دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم وإنما لم يكن في حقه المبالغة لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره ودل على ذلك أن المبالغة ليست بواجبة إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري ولم يجز له تركها. وقوله في رواية أبو داود إذا توضأت فمضمض يستدل به على وجوب المضمضة ومن قال لا تجب جعل الأمر للندب لقرينة ما سلف من حديث رفاعة بن رافع في أمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم للأعرابي بصفة الوضوء الذي لا تجزىء الصلاة إلا به ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق. وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يخلل لحيته في الوضوء أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة وعن عثمان رضي الله عنه هو أبو عبد الله عثمان بن عفان الأموي القرشي أحد الخلفاء وأحد العشرة أسلم في أول الإسلام وهاجر إلى الحبشة الهجرتين وتزوج بنتي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رقية أولا ثم لما توفيت زوجه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأم كلثوم ، استخلف في أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين ، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة الحرام سنة خمس وثلاثين ودفن ليلة السبت بالبقيع وعمره اثنتان وثمانون سنة وقيل غير ذلك. أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يخلل لحيته في الوضوء أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة والحديث أخرجه الحاكم والدارقطني وابن حبان من رواية عامر بن شقيق عن أبي وائل ، قال البخاري حديثه حسن ، وقال الحاكم لا نعلم فيه ضعفا بوجه من الوجوه ، هذا كلامه وقد ضعفه ابن معين وقد روى الحاكم للحديث شواهد عن أنس وعائشة وعلي وعمار. قال المصنف وفيه أيضا عن أم سلمة وأبي أيوب وأبي أمامة وابن عمر وجابر وابن عباس وأبي الدرداء وقد تكلم على جميعها بالتضعيف إلا حديث عائشة وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه ليس في تخليل اللحية شيء. وحديث عثمان هذا دال على مشروعية تخليل اللحية ، وأما وجوبه فاختلف فيه فعند الهادوية يجب كقبل نباتها لأحاديث وردت بالأمر بالتخليل إلا أنها أحاديث ما سلمت عن الإعلال والتضعيف فلم تنتهض على الإيجاب. وعن عبد الله بن زيد قال أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه. أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتي بثلثي مد بضم الميم وتشديد الدال المهملة في القاموس مكيال وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما ومنه سمي مدا وقد جربت ذلك فوجدته صحيحا اهـ. فجعل يدلك ذراعيه أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة وقد أخرج أبو داود من حديث أم عمارة الأنصارية بإسناد حسن أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد. ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد فثلثا المد هو أقل ما روي أنه توضأ به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وأما حديث أنه توضأ بثلث مد فلا أصل له وقد صحح أبو زرعة من حديث عائشة وجابر أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وأخرج مسلم نحوه من حديث سفينة وأبو داود من حديث أنس توضأ من إناء يسع رطلين والترمذي بلفظ يجزىء في الوضوء رطلان. وهي كلها قاضية بالتخفيف في ماء الوضوء وقد علم نهيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الإسراف في الماء وإخباره أنه سيأتي قوم يعتدون في الوضوء فمن جاوز ما قال الشارع أنه يجزىء فقد أسرف فيحرم وقول من قال إن هذا تقريب لا تحديد ما هو ببعيد لكن الأحسن بالمتشرع محاكاة أخلاقه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم والاقتداء به في كمية ذلك ، وفيه دليل على مشروعية الدلك لأعضاء الوضوء وفيه خلاف فمن قال بوجوبه استدل بهذا ومن قال لا يجب قال لأن المأمور به في الاية الغسل وليس الدلك من مسماه ولعله يأتي ذكر ذلك. وعنه أنه رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وهو المحفوظ وعنه أي عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي وهو أي هذا الحديث عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه ، وهو المحفوظ ، وذلك أنه ذكر المصنف في التلخيص عن ابن دقيق العيد أن الذي ره في الرواية هو بهذا اللفظ الذي قال المصنف إنه المحفوظ. وقال المصنف أيضا إنه الذي في صحيح ابن حبان وفي رواية الترمذي ولم يذكر في التلخيص أنه أخرجه مسلم ولا رأيناه في مسلم ، إذا كان كذلك فأخذ ماء جديد للرأس هو أمر لا بد منه وهو الذي دلت عليه الأحاديث وحديث البيهقي هذا هو دليل أحمد والشافعي أنه يؤخذ للأذنين ماء جديد وهو دليل ظاهر. وتلك الأحاديث التي سلفت غاية ما فيها أنه لم يذكر أحد أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أخذ ماء جديدا وعدم الذكر ليس دليلا على عدم الفعل إلا أن كثرة طرقه يشد بعضه بعضا ويشهد لها أحاديث مسحهما مع الرأس مرة واحدة وهي أحاديث كثيرة عن علي وابن عباس والربيع وعثمان وكلهم متفقون على أنه مسحهما مع الرأس مرة واحدة أي بماء واحد كما هو ظاهر لفظ مرة إذ لو كان يؤخذ للأذنين ماء جديد ما صدق أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة وإن احتمل أن المراد أنه لم يكرر مسحهما وأنه أخذ لهما ماء جديدا فهو احتمال بعيد وتأويل حديث إنه أخذ لهم ماء خلاف الذي مسح به رأسه أقرب ما يقال فيه إنه لم يبق في يده بلة تكفي لمسح الأذنين فأخذ لهما ماء جديدا. وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل متفق عليه واللفظ لمسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي ذوي غرة وأصلها لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس ، في النهاية يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة ونصبه على أنه حال من فاعل يأتون وعلى رواية يدعون يحتمل المفعولية محجلين بالمهملة والجيم من التحجيل ، في النهاية أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام ، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه من أثر الوضوء بفتح الواو لأنه الماء ويجوز الضم عند البعض كما تقدم فمن استطاع منكم أن يطيل غرته أي وتحجيله وإنما اقتصر على أحدهما لدلالته على الاخر واثر الغرة وهي مؤنثة على التحجيل وهو مذكر لشرف موضعها وفي رواية لمسلم فليطل غرته وتحجيله فليفعل متفق عليه واللفظ لمسلم وظاهر السياق أن قوله فمن استطاع إلى اخره من الحديث وهو يدل على عدم الوجوب إذ هو في قوة من شاء منكم فلو كان واجبا ما قيده بها إذ الاستطاعة لذلك متحققة قطعا وقال نعيم أحد رواته لا أدري قوله فمن استطاع إلخ من قول النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أو من قول أبي هريرة وفي الفتح لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه ، والحديث دليل على مشروعية إطالة الغرة والتحجيل ، واختلف العلماء في القدر المستحب من ذلك ، فقيل في اليدين إلى المنكب وفي الرجلين إلى الركبة. وقد ثبت هذا عن أبي هريرة رواية ورأيا وثبت من فعل ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن ، وقيل إلى نصف العضد والساق ، والغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنق. ص25ص26ص27 |
والقول بعدم مشروعيتهما وتأويل حديث أبي هريرة بأن المراد به المداومة على الوضوء خلاف الظاهر ورد بأن الراوي أعرف بما روى ، كيف وقد رفع معناه ولا وجه لنفيه. وقد استدل على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة بهذا الحديث وبحديث مسلم مرفوعا سيما ليست لأحد غيركم والسيما بكسر السين المهملة العلامة ، ورد هذا بأنه قد ثبت الوضوء لمن قبل هذه الأمة ، قيل فالذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وظهوره وفي شأنه كله. متفق عليه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يعجبه التيمن أي تقديم الأيمن في تنعله لبس نعله وترجله بالجيم أي مشط شعره وطهوره وفي شأنه كله تعميم بعد التخصيص متفق عليه قال ابن دقيق العيد هو عام مخصوص يعني قوله كله بدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما فإنه يبدأ فيهما باليسار. قيل والتأكيد بكله يدل على بقاء التعميم ودفع التجوز عن البعض فيحتمل أن يقال حقيقة الشأن ما كان فعلا مقصودا وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة بل هي إما تروك وإما غير مقصودة ، والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق وبالميامن في الوضوء والغسل والأكل والشرب وغير ذلك. قال النووي قاعدة الشرع المستمرة البداءة باليمين مع كل ما كان من باب التكريم والتزيين ، وما كان بضدها استحب فيه التياسر ويأتي الحديث في الوضوء قريبا وهذه الدلالة للحديث مبنية على أن لفظ يعجبه يدل على استحباب ذلك شرعا وقد ذكرنا تحقيقه في حواشي شرح العمدة عند الكلام على هذا الحديث. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي وزاد فيه وإذا لبستم قال ابن دقيق العيد هو حقيق بأن يصحح ، الحديث دليل على البداءة بالميامن عند الوضوء في غسل اليدين والرجلين وأما غيرهما كالوجه والرأس فظاهر أيضا شمولهما إلا أنه لم يقل أحد به فيهما ولا ورد في أحاديث التعليم بخلاف اليدين والرجلين فأحاديث التعليم وردت بتقديم اليمنى فيهما على اليسرى في حديث عثمان الذي مضى وغيره ، والآية مجملة بينتها السنة واختلف في وجوب ذلك ولا كلام في أنه الأولى ، فعند الهادوية يجب لحديث الكتاب وهو بلفظ الأمر وهو للوجوب في أصله وباستمرار فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له فإنه ما روي أنه توضأ مرة واحدة بخلافه إلا ما يأتي من حديث ابن عباس ولأنه فعله بيانا للواجب فيجب. ولحديث ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ على الولاء ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وله طرق يشد بعضها بعضا. وقالت الحنفية وجماعة لا يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء ولا بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين. قالوا الواو في الاية لا تقتضي الترتيب وبأنه قد روى عن علي عليه السلام أنه بدأ بمياسره وبأنه قال ما أبالي بشمالي بدأت أم بيميني إذا أتممت الوضوء. وأجيب عنه بأنهما أثران غير ثابتين فلا تقوم بهما حجة ولا يقاومان ما سلف وإن كان الدارقطني قد أخرج حديث علي ولم يضعفه وأخرجه من طرق بألفاظ لكنها موقوفة كلها. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ ، فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين أخرجه مسلم. وعن المغيرة بضم الميم فغين معجمة مكسورة فياء وراء ، يكنى أبا عبد الله أو أبا عيسى أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا وأول مشاهده الحديبية ، وفاته سنة خمسين من الهجرة بالكوفة وكان عاملا عليها من قبل معاوية ، وهو ابن شعبة بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة فموحدة مفتوحة أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ فمسح بناصيته في القاموس الناصية والناصاة قصاص الشعر وعلى العمامة والخفين تثنية خف بالخاء المعجمة مضمومة أي ومسح عليهما أخرجه مسلم ولم يخرجه البخاري ووهم من نسبه إليهما ، والحديث دليل على عدم جواز الاقتصار على مسح الناصية وقال زيد بن علي عليه السلام وأبو حنيفة يجوز الاقتصار ، وقال ابن القيم ولم يصح عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة لكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة كما في حديث المغيرة هذا ، وقد ذكر الدارقطني أنه رواه عن ستين رجلا ، وأما الاقتصار على العمامة بالمسح فلم يقل به الجمهور ، وقال ابن القيم إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يمسح على رأسه وعلى العمامة تارة وعلى الناصية والعمامة تارة والمسح على الخفين يأتي له باب مستقل ويأتي حديث المسح على العصائب وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صفة حج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ابدءوا بما بدأ الله به أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر وهو عند مسلم بلفظ الخبر وعن جابر هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالحاء والراء المهملتين الأنصاري السلمي من مشاهير الصحابة ذكر البخاري أنه شهد بدرا وكان ينقل الماء يومئذ ، ثم شهد بعدها مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثماني عشرة غزوة ذكر ذلك الحاكم أبو أحمد وشهد صفين مع علي عليه السلام وكان من المكثرين الحفاظ وكف بصره في اخر عمره وتوفي سنة أربع أو سبع وسبعين بالمدينة وعمره أربع وتسعون سنة وهو اخر من مات بالمدينة من الصحابة (في صفة حج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) يشير إلى حديث جليل شريف سيأتي إن شاء الله تعالى في الحج قال أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ابدءوا بما بدأ الله به أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر وهو عند مسلم بلفظ الخبر أي بلفظ نبدأ ولفظ الحديث قال ثم خرج أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من الباب أي باب الحرم إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إن لصفا ولمروة من شعآئر لله فمن حج لبيت أو عتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن لله شاكر عليم. نبدأ بما بدأ الله به بلفظ الخبر فعلا مضارعا فبدأ بالصفا لبداءة الله به في الآية وذكر المصنف هذه القطعة من حديث جابر هنا لأنه أفاد أن ما بدأ الله به ذكرا نبتدىء به فعلا فإن كلامه كلام حكيم لا يبدأ ذكرا إلا بما يستحق البداءة به فعلا فإنه مقتضى البلاغة ولذا قال سيبويه إنهم أي العرب يقدمون ما هم بشأنه أهم وهم به أعنى فإن اللفظ عام والعام لا يقتصر على سببه أعني بما بدأ الله به لأن كلمة ما موصولة والموصولات من ألفاظ العموم وآية الوضوء وهي قوله تعالى فاغسلوا وجوهم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين داخله تحت الأمر بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ابدءوا بما بدأ الله به فيجب البداءة بغسل الوجه ثم ما بعده على الترتيب وإن كانت الآية لم نفد تقديم اليمنى على اليسرى من اليعدين والرجلين وتقدم القول فيه قريبا وذهبت الحنفية وآخرون إلى أن الترتيب بين أعضاء الوضوء غير واجب واستدل لهم بحديث ابن عباس أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ غسل وجهه ويديه ثم رجليه ثم مسح رأسه بفضل وضوئه وأجيب بأنه لا تعرف له طريق صحيحة حتى يتم به الاستدلال ثم لا يخفى أنه كان الأولى تقديم حديث جابر هذا على حديث المغيرة وجعله متصلا بحديث أبي هريرة لتقاربهما في الدلالة. وعنه رضى الله عنه قال كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه اخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف. وعنه أي جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه اخرجه الدارقطني هو الحافظ الكبير الإمام العديم النظير في حفظه قال الذهبي في حقه هو حافظ الزمان أبو الحسين على بن عمر ابن أحمد البغدادي الحافظ الشهير صاحب السنن مولده سنة ست وثلاثمائة سمع من عوالم وبرع في هذا الشأن قال الحاكم صار الداقطني أوحد عصره في الفظ والفهم والورع وأماما في القراءة والنحو وله مصنفات يطول ذكرها وأشهد أنه لم يخلق على أديم الأرض مثله وقال الخطيب كان فريد عصره وإمام وقته وانتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد وقد أطال أئمة الحديث الثناء على هذا الرجل وكانت وفاته في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلثمائة بإسناد ضعيف وأخرجه البيهقي أيضا بإسناد الدارقطني وفي الإسنادين معا القاسم بن محمد بن عقيل وهو متروك وضعه أحمد وابن معين وغيرهما وعده ابن حبان في الثقات لكن الجارح أولى وإن كثر المعدل وهنا الجارج أكثر وصرح بضعف الحديث جماعة من الحفاظ كالمذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم قال المصنف ويغنى عنه حديث أبي هريرة عند مسلم أنه توضأ حتى أشرع في العضد وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسمل توضأ قلت ولو أتى به هنا لكان أولى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف. و للترمذي عن سعيد بن زيد ، و أبي سعيد نحوه ، قال أحمد لا يثبت شئ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف هذا قطعة من الحديث الذي أخرجه المذكورون فإنهم أخرجوه بلفظ لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه والحديث مروى من طريق يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة وهو يعقوب بن سلمة الليثي قال البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة وله طرق أخرى عند الدارقطني والبيهقي ولكنها كلها ضعيفة أيضا وعند الطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ الأمر إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء ولكن سنده واه. وللترمذي لم يقل والترمذي عن سعيد بن زيد وزيد هو ابن عمرة بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة صحابي جليل القدر لأنه لم يروه في السنن بل رواه في العلل فغاير المصنف في العبارة لهذه الإشارة ولأنه لم يروه عن أبي هريرة وأبي سعيد نحوه وقال أحمد لا يثبت فيه شيء وأخرجه البزار وأحمد وابن ماجه والدارقطني وغيرهم قال الترمذي قال محمد يعنى البخاري إنه أحسن شيء في هذا الكتاب لكنه ضعيف لأن في رواته مجهولين ورواية أبي سعيد الخدري التي أخرجها الترمذي وغيره من رواية كثير بن زيد عن ربيح عن عبد الرحمن عن أبي سعيد ولكنه قدح في كثير بن زيد وفي ربيح أيضا وقد روى الحديث في التسمية من حديث عائشة وسهل بن سعد وابن سبرة وأم سبرة وعلى وأنس وفي الجميع مقال إلا أن هذه الروايات يقوى بعضها بعضا فلا تخلوا عن قوة ولذا قال ابن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قاله وإذا عرفت هذا فالحديث قد دل على مشروعية التسمية في الوضوء وظاهر قوله لا وضوء أنه لا يصح ولا يوجد من دونها إذ الأصل في النفي الحقيقة وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الهادوية إلى أنه فرض على الذاكر وقال أحمد بن حنبل والظاهرية بل وعلى الناسى وفي أحد قولي الهادي إنها سنة وإليه ذهبت الحنفية والشافعية لحديث أبي هريرة من ذكر الله أول وضوئه طهر جسده كله وإذا لم يذكر اسم الله لم يطهر منه إلا موضع الوضوء أخرجه الدارقطني وغيره وهو ضعيف وبه استدل من فرق بين الذاكر والناسى قائلا إن الأول في حق العامد وهذا في حق الناسى وحديث أبي هريرة هذا الأخير وإن كان ضعيفا فقد عضده في الدلالة على عدم الفرضية حديث توضأ كما أمرك الله وقد تقدم وهو الدليل على تأويل النفي في حديث الباب بأن المراد لا وضوء كامل على أنه قد روى هذا الحديث بلفظ لا وضوء كامل إلا أنه قال المصنف لم يروه بهذا اللفظ قاله البيهقي في السنن بعد إخراجه هذا أيضا ضعيف أبو بكر الداهرى يريد أحد رواته أنه غير ثقة عند أهل العلم بالحديث وأما القول بأن هذا مثبت ودال على الإيجاب فيرجح ففيه أنه لم يثبت ثبوتا يقضى بالإيجاب بل طرقه كما عرفت وقد دل على السنية حديث كل أمر ذي بال فيتعاضد هو وحديث الباب على مطلق الشرعية وأقلها الندبية. وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يفصل بين المضمضة والاستنشاق. أخرجه أبو داود ، بإسناد ضعيف. وعن طلحة هو أبو محمد أو أبو عبد الله طلحة بن مصرف بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة وفاء وطلحة أحد الأعلام الأثبات من التابعين مات سنة ثنتي عشرة ومائة عن أبيه مصرف عن جده كعب بن عمرة الهمداني ومنهم من يقول ابن عمر بضم العين والمهملة قال ابن عبد البر والأشهر ابن عمر وله صحبة ومنهم من ينكرها ولا وجه لإنكار من أنكر ذلك ثم ذكر هذا الحديث قال رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يفصل بين المضمضة والاستنشاق أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف لأنه من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيف قال النووي اتفق العلماء على ضعفه ولأن مصرفا والد طلحة مجهول الحال قال أبو داود وسمعت أحمد يقول زعموا أن ابن عيينة كان ينكره يقول إيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده والحديث دليل على الفصل بين المضمضة والاستنشاق بأن يؤخذا لكل واحد ماء جديد وقد دل له أيضا حديث على عليه السلام وعثمان أنهما أفرادا المضمضة والاستنشاق ثم قالا هكذا رأينا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ أخرجه أبو على بن السكن في صحاحه وذهب إلى هذا جماعة وذهبت الهاودية إلى أن السنة الجمع بينهما بغرفة لم أخرجه ابن ماجه من حديث علي عليه السلام أنه تمضمض فاستنشق ثلاثا من كف واحدة وأخرجه أبو داود والجمع بينهما ورد من حديث على من ست طرق وتأتي إحداها قريبا وكذلك من حديث عثمان عند أبي داود وغيره وفي لفظ لابن حبان ثلاث مرات من ثلاث حفنات وفي لفظ للبخارى ثلاث مرات غرفة واحدة ومع ورود الروايتين الجمع وعدمه فالأقرب التخيير وأن الكل سنة وإن كانت رواية الجمع أكثر وأصح وقد اختار في الشرح التخيير وقال إنه قول الإمام يحيى واعلم أن الجمع قد يكون بغرفة واحدة وبثلاث منها كما أرشد إليه ظاهر قوله في الحديث من كف واحد ومن غرفة واحده وقد يكون الجمع بثلاث غرفات لكل واحدة من الثلاث المرات غرفة ص28ص29ص30 |
كما هو صريح ثلاث مرات من ثلاث حفنات قال البيهقي في السنن بعد ذكره الحديث يعني والله أعلم أنه تمضمض واستنثر كل مرة من غرفة واحدة ثم فعل ذلك ثلاثا من ثلاث غرفات قال ويدل له حديث عبد الله بن زيد ثم ساقه بسنده وفيه ثم أدخل يده في الإناء
فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مرات من ثلاث غرفات من ماء ثم قال رواه البخاري في الصحيح وبه يتضح أنه يتعين هذا الاحتمال. وعن علي رضي الله عنه في صفة الوضوء ثم تمضمض صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واستنثر ثلاثا يمضمض وينثر من الكف الدي يأخذ منه الماء أخرجه أبو داود والنسائي وعن علي رضي الله عنه في صفة الوضوء ثم تمضمض صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واستنثر ثلاثا يمضمض وينثر من الكف الدي يأخذ منه الماء أخرجه أبو داود والنسائي ، هذا من أدلة الجمع ويحتمل أنه من غرفة واحدة أو من ثلاث غرفات وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه في صفة الوضوء أو وضوئه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم أدخل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يده أي في الماء فمضمض واستنشق من كف واحد ، يفعل ذلك ثلاثاً. متفق عليه. وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه في صفة الوضوء أو وضوئه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم أدخل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يده أي في الماء فمضمض واستنشق لم يذكر الاستنثار لأن المراد إنما هو ذكر اكتفائه بكف واحدة من الماء لما يدخل في الفم والأنف وأما دفع الماء فليس من مقصود الحديث من كف واحدة الكف يذكر ويؤنث يفعل ذلك ثلاثا متفق عليه هو ظاهر أنه كفاه كف واحد للثلاث المرات وإن كان يحتمل أنه أراد به فعل كل منهما من كف واحد يغترف في كل واحدة من الثلاث والحديث كالأول من أدلة الجمع وهذا الحديث والأول مقتطعان من الحديثين الطويلين في صفة الوضوء وقد تقدم مثل هذا إلا أن المصنف إنما يقتصر على موضع الحجة الذي يريده كالجمع هنا. وعن أنس رضي الله عنه قال رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجلا وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء ، فقال ارجع فأحسن وضوءك. أخرجه أبو داود والنسائي وعن أنس رضي الله عنه قال رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجلا وفي قدمه مثل الظفر بضم الظاء المعجمة والفاء فيه لغات أخر أجودها ما ذكر وجمعه أظفار وجمع الجمع أظافير لم يصبه الماء أي ماء وضوئه فقال له ارجع فأحسن وضوءك أخرجه أبو داود والنسائي وقد أخرج مثله مسلم من حديث جابر عن عمر إلا أنه قيل إنه موقوف على عمر ، وقد أخرج أبو داود من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدميه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن يعيد الوضوء والصلاة ، قال أحمد بن حنبل لما سئل عن إسناده جيد نعم ، هو دليل على وجوب استيعاب أعضاء الوضوء بالماء نصا في الرجل وقياسا في غيرها. وقد ثبت حديث ويل للأعقاب من النار قاله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في جماعة لم يمس أعقابهم الماء وإلى هذا ذهب الجمهور، وروى عن أبي حنيفة قال إنه يعفى عن نصف العضو أو ربعه أو أقل من الدرهم روايات حكيت عنه. وقد استدل بالحديث أيضا على وجوب الموالاة حيث أمره أن يعيد الوضوء ولم يقتصر على أمره بغسل ما تركه قيل ولا دليل فيه لأنه أراد التشديد عليه في الإنكار والإشارة إلى أن من ترك شيئا فكأنه ترك الكل ولا يخفى ضعف هذا القول فالأحسن أن يقال إن قول الراوي أمره أن يعيد الوضوء أي غسل ما تركه وسماه إعادة باعتبار ظن المتوضىء فإنه صلى ظانا بأنه قد توضأ وضوءا مجزئا وسماه وضوءا في قوله يعيد الوضوء لأنه وضوء لغة ، وفي الحديث دليل على أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد. وعنه رضي الله عنه قال كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد متفق عليه. وعنه أي أنس بن مالك قال كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يتوضأ بالمد تقدم تحقيق قدره ويغتسل بالصاع وهو أربعة أمداد ولذا قال إلى خمسة أمداد كأنه قال بأربعة أمداد إلى خمسة متفق عليه وتقدم أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ بثلثي مد وقدمنا أنه أقل ما قدر به ماء وضوئه ولو أخر المصنف ذلك الحديث إلى هنا أو قدم هذا لكان أوفق لحسن الترتيب. ظاهر هذا الحديث أن هذا غاية ما كان ينتهي إليه وضوءه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وغسله ولا ينافيه حديث عائشة الذي أخرجه البخاري أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ من إناء واحد يقال له الفرق بفتح الفاء والراء وهو إناء يسع تسعة عشر رطلا لأنه ليس في حديثها أنه كان ملآنا ماء بل قولها من إناء يدل على تبعيض ما توضأ منه. وحديث أنس هذا والحديث الذي سلف عن عبد الله بن زيد يرشدان إلى تقليل ماء الوضوء والاكتفاء باليسير منه وقد قال البخاري وكره أهل العلم فيه أي ماء الوضوء أن يتجاوز فعل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء أخرجه مسلم والترمذي وزاد اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين. وعن عمر بضم العين المهملة منقول من جمع عمرة وهو أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي يجتمع مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في كعب بن لؤي أسلم سنة ست من النبوة وقيل سنة خمس بعد أربعين رجلا ، وشهد المشاهد كلها مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وله مشاهد في الإسلام وفتوحات في العراق والشام ، وتوفي في غرة المحرم سنة أربع وعشرين طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وخلافته عشر سنين ونصف. قال قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء تقدم أنه إتمامه ثم يقول بعد إتمامه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية هو من باب ونفخ في الصور عبر عن الآتي بالماضي لتحقق وقوعه والمراد تفتح له يوم القيامة يدخل من أيها شاء أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي وزاد اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، جمع بينهما إلماما بقوله تعالى ويسألونك عن لمحيض قل هو أذى فعتزلوا لنسآء في لمحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم لله إن لله يحب لتوابين ويحب لمتطهرين. ولما كانت التوبة طهارة الباطن من أدران الذنوب والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إليه تعالى ناسب الجمع بينهما أي طلب ذلك من الله تعالى غاية المناسبة في طلب أن يكون السائل محبوبا لله وفي زمرة المحبوبين له. وهذه الرواية وإن قال الترمذي بعد إخراجه الحديث في إسناده اضطراب فصدر الحديث ثابت في مسلم وهذه الزيادة قد رواها البزار والطبراني في الأوسط من طريق ثوبان بلفظ من دعا بوضوء فتوضأ فساعة فرغ من وضوئه يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ورواه ابن ماجه من حديث أنس وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد بلفظ من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة وصحح النسائي أنه موقوف وهذا الذكر عقيب الوضوء. قال النووي قال أصحابنا ويستحب أيضا عقيب الغسل. وإلى هنا انتهى باب الوضوء ولم يذكر المصنف من الأذكار فيه إلا حديث التسمية في أوله وهذا الذكر في اخره. وأما حديث الذكر مع غسل كل عضو فلم يذكره للاتفاق على ضعفه ، قال النووي الأدعية في أثناء الوضوء لا أصل لها ولم يذكرها المتقدمون ، وقال ابن الصلاح لم يصح فيه حديث. هذا ولا يخفى حسن ختم المصنف باب الوضوء بهذا الدعاء الذي يقال عند تمام الوضوء فعلا فقاله عند تمام أدلته تأليفا وعقب الوضوء بالمسح على الخفين لأنه من أحكام الوضوء فقال: باب المسح على الخفين أي باب ذكر أدلة شرعية ذلك. والخف: نعل من أدم يغطي الكعبين. والجرموق: خف كبير يلبس فوق خف صغير. والجورب فوق الجرموق يغطي الكعبين بعض التغطية دون النعل، وهي تكون دون الكعاب. عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ مَع النّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فمَسَحَ عَلَيْهِمَا، متفقٌ عليه.وللأربعة عنه إلاّ النسائي: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسح أعلى الخفَّ وأسفلهُ. وفي إسناده ضعفٌ. (عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي: في سفر، كما صرح به البخاري. وعند مالك وأبي داود تعيين السفر: أنه في غزوة تبوك، وتعيين الصلاة: أنها صلاة الفجر (فتوضأ) أي أخذ في الوضوء، كما صرحت به الأحاديث، ففي لفظ: "تمضمض واستنشق ثلاث مرات" وفي أخرى: فمسح برأسه، فالمراد بقوله: توضأ أخذ فيه، لا أنه استكمله، كما هو ظاهر اللفظ (فأهويت) أي مددت يدي، أو قصدت الهوى من القيام إلى القعود (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سيفعل الأفضل، بناء على أن الغسل أفضل، ويأتي فيه الخلاف، أو جوز أنه لم يحصل شرط المسح، وهذا الأخير أقرب لقوله: (فقال: دعهما) أي الخفين (فإني أدخلتُهما طاهرَتين) حال من القدمين، كما تبينه رواية أبي داود: "فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" (فمسح عليهما. متفق عليه) بين الشيخين. ولفظه هنا للبخاري. وذكر البزار: أنه روى عن المغيرة من ستين طريقاً، وذكر منها ابن منده: خمسة وأربعين طريقاً. والحديث دليل على جواز المسح على الخفين في السفر، لأن هذا الحديث ظاهر فيه كما عرفت. وأما في الحضر، فيأتي الكلام عليه في الحديث الثالث. وقد اختلف العلماء في جواز ذلك، فالأكثر على جوازه سفراً؛ لهذا الحديث وحضراً لغيره من الأحاديث. قال أحمد بن حنبل: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة. وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين صحابياً، وقال ابن عبد البر في الاستذكار: روى عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المسح على الخفين نحو من أربعين من الصحابة. ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه كان يمسح على الخفين. وذكر أبو القاسم بن منده: أسماء من رواه من تذكرته فبلغوا ثمانين صحابياً. والقول بالمسح: قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان، وجرير البجلي، وغيرهم. قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روى عنه إنكاره، فقد روى عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روى عن أحد من السلف إنكاره، إلا عن مالك، مع أن الرواية الصحيحة عنه مصرحة بإثباته. قال المصنف: قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح متواتر، وقال به أبو حنيفة، والشافعي، وغيرهما مستدلين بما سمعت. وروى عن الهادوية والإمامية والخوارج: القول بعدم جوازه، واستدلوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ،قالوا: فعينت الآية مباشرة الرجلين بالماء، واستدلوا أيضاً: بما سلف في باب الوضوء من أحاديث التعليم، وكلها عينت غسل الرجلين. قالوا: والأحاديث التي ذكرتم في المسح منسوخة باية المائدة؛ والدليل على النسخ قول علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين. وقول[اث] ابن عباس[/اث]: ما مسح رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد المائدة. وأجيب: أولاً: بأن اية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع، ومسحه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في غزوة تبوك، كما عرفت، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر. وثانياً: بأنه لو سلم تأخر اية المائدة، فلا منافاة بين المسح والاية؛ لأن قوله تعالى: "وأرجلكم". مطلق، وقيدته أحاديث المسح على الخف، أو عام وخصصته تلك الأحاديث. وأما ما روي عن علي عليه السلام، فهو حديث منقطع، وكذا ما روي عن ابن عباس، مع أنه يخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح. وقد عارض حديثهما ما هو أصح منهما، وهو حديث جرير البجلي؛ فإنه لما روى: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يمسح على خفيه، قيل له: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: وهل أسلمت إلا بعد المائدة؟ وهو حديث صحيح. وأما أحاديث التعليم، فليس فيها ما ينافي جواز المسح على الخفين: فإنها كلها فيمن ليس عليه خفان. فأي دلالة على نفي ذلك، على أنه قد يقال: قد ثبت في اية المائدة القراءة بالجر لأرجلكم عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين، كما بينته السنة، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب، وهو أحسن الوجوه التي توجه به قراءة الجر. ص31ص32ص33 |
إذا عرفت هذا فللمسح عند القائلين به شرطان: الأول: ما أشار إليه الحديث، وهو لبس الخفين مع كمال طهارة القدمين؛ وذلك بأن يلبسهما وهو على طهارة تامة، بأن يتوضأ حتى يكمل وضوءه ثم يلبسهما، فإذا أحدث بعد ذلك حدثاً أصغر، جاز المسح عليهما، بناء على أنه أريد بطاهرتين الطهارة الكاملة، وقد قيل: بل يحتمل أنهما طاهرتان عن النجاسة، يروى عن داود، ويأتي من الأحاديث ما يقوي القول الأول.
والثاني مستفاد من مسمى الخف، فإن المراد به الكامل؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق، وذلك بأن يكون ساتراً قوياً مانعاً نفوذ الماء غير مخرق، فلا يمسح على ما لا يستر العقبين، ولا على مخرق يبدو منه محل الفرض، ولا على منسوج؛ إذ لا يمنع نفوذ الماء، ولا مغصوب لوجوب نزعه. هذا وحديث المغيرة لم يبين كيفية المسح، ولا كميته، ولا محله، ولكن الذي أفاده قول المصنف. وللأربعة عَنْهُ إلا النّسائي: أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسَحَ أعْلى الْخُفِّ وأسْفَلَهُ. وفي إسناده ضَعْفٌ. بيّن أن محل المسح أعلى الخف وأسفله، ويأتي من ذهب إليه، ولكنه قد أشار إلى ضعفه، وبيّن وجه ضعفه في التلخيص، وأن أئمة الحديث ضعفوه بكاتب المغيرة هذا. وكذلك بين محل المسح وعارض حديث المغيرة هذا. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنّهُ قال: لَوْ كان الدِّينُ بالرأي لكان أسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وقَدَ رَأَيْتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَمْسَحُ على ظاهِرِ خُفّيْهِ، أخرجه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ. قوله: (وعن علي عليه السلام، أنه قال: ــــ لو كانَ الدِّين بالرأي) أي بالقياس وملاحظة المعاني (لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) أي ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما؛ لأنه الذي يباشر المشي، ويقع على ما ينبغي إزالته، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم (وقد رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَمْسَحُ على ظاهرِ خفيه، أخرجه أبو داود بإسناد حسن) وقال المصنف في التلخيص: إنه حديث صحيح. والحديث فيه إبانة لمحل المسح على الخفين، وأنه ظاهرهما، لا غير، ولا يمسح أسفلهما. وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع باطن كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه. وهذا للشافعي. واستدل لهذه الكيفية بما ورد في حديث المغيرة: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، كأني أنظر أصابعه على الخفين" رواه البيهقي، وهو منقطع، على أنه لا يفي بتلك الصفة. وثانيهما: مسح أعلى الخف دون أسفله، وهي التي أفادها حديث علي عليه السلام هذا. وأما القدر المجزىء من ذلك: فقيل: لا يجزىء إلا قدر ثلاث أصابع، وقيل: ولو بأصبع، وقيل: لا يجزىء إلا إذا مسح أكثره، وحديث علي، وحديث المغيرة المذكوران في الأصل ليس فيهما تعرض لذلك. نعم قد روى عن علي عليه السلام: أنه رأى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يمسح على ظهر الخف خطوطاً بالأصابع. قال النووي: إنه حديث ضعيف. وروى عن جابر: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أرى بعض من علمه المسح، أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه". قال المصنف: إسناده ضعيف جداً. فعرفت أنه لم يرد في الكيفية، ولا الكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي في بيان المسح. والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على الخف لغة أجزأه. وأما مقدار زمان جواز المسح فقد أفاده الحديث. وعن صَفْوانَ بن عَسّالٍ قالَ: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يأمُرُنا إذا كنّا سَفْراً "أنْ لا نَنْزَعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أيّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، ولَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ" أخرجه النسائيُّ والترمذيُّ، واللفْظُ لَهُ، وابنُ خُزيمةَ وصححاهُ. (وعن صفوان) بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء (بن عسال) بفتح المهملة وتشديد السين المهملة وباللام المرادي سكن الكوفة (قال: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يأمُرُنا إذا كنّا سَفْراً) جمع سافر كتجر جمع تاجر (ألا ننزَع خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليهن إلا من جنابة) أي فننزعها ولو قبل مرور الثلاث (ولكن) لا ننزعهن (من غائط وبول ونوم) أي لأجل هذه الأحداث إلا إذا مرت المدة المقدرة (أخرجه النسائي، والترمذي، واللفظ له، وابن خزيمة، وصححاه) أي الترمذي، وابن خزيمة، ورواه الشافعي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وقال الترمذي عن البخاري: إنه حديث حسن. بل قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي، وصححه الترمذي، والخطابي. والحديث دليل على توقيت إباحة المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وفيه دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل وهو مجمع عليه. وظاهر قوله: "يأمرنا" الوجوب، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره فبقي للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء: هل الأفضل المسح على الخفين، أو خلعهما وغسل القدمين. قال المصنف عن ابن المنذر: والذي اختاره أن المسح أفضل. وقال النووي: صرح أصحابنا: بأن الغسل أفضل، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام. وعن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قالَ: جَعَل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثلاثَةَ أيّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ للمُسَافِرِ، ويَوْماً ولَيْلَةً للمُقِيم ــــ يعْني في المسْح على الخُفَّيْنِ ــــ أخرجه مسلمٌ. (وعن علي عليه السلام قال: جعل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثلاثة أيام وليَاليَهُنَّ للمُسافر ويوماً للمُقيم يعني في المسح على الخفين) هذا مدرج من كلام علي، أو من غيره من الرواة (أخرجه مسلم) ، وكذلك أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان. والحديث دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر، كما سلف في الحديث قبله، ودليل على مشروعية المسح للمقيم أيضاً، وعلى تقدير زمان إباحته بيوم وليلة للمقيم. وإنما زاد في المدة للمسافر؛ لأنه أحق بالرخصة من المقيم؛ لمشقة السفر. وعن ثَوْبَانَ رضي الله عنه قالَ: بَعَثَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سَرِيَّةً، فأمَرهُمْ أنْ يَمسَحُوا على الْعَصَائِبِ ــــ يعني العَمَائِمِ ــــ والتّساخِين يعْني الخِفَاف. روَاهُ أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكِمُ. (وعن ثوبان) بفتح المثلثة تثنية ثوب، وهو أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن. قال ابن عبد البر: والأول أصح. ابن بجدد بضم الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى. وقيل: ابن جحدر بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة فدال مهملة فراء، وهو من أهل السراة موضع بين مكة والمدينة، وقيل: من حمير أصابه سبي، فشراه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فأعتقه، ولم يزل ملازماً لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سفراً وحضراً، إلى أن توفي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فنزل الشام، ثم انتقل إلى حمص، فتوفي بها سنة أربع وخمسين. (قال: بعث رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سرية، فأمرهُم أنْ يَمْسَحُوا على العَصَائب، يعني العَمائم) سميت عصابة لأنه يعصب بها الرأس (والتساخين) بفتح المثناة بعدها سين مهملة وبعد الألف خاء معجمة فمثناة تحتية فنون جمع تسخان. قال في القاموس: التساخين: المراجل الخفاف، وفسرها الراوي بقوله: (يعني الخفاف) جمع خف. والظاهر أنه وما قبله في قوله: يعني العمائم مدرج في الحديث من كلام الراوي (رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم). ظاهر الحديث: أنه يجوز المسح على العمائم كالمسح على الخفين، وهل يشترط فيها الطهارة للرأس، والتوقيت كالخفين؟ لم نجد فيه كلاماً للعلماء، ثم رأيت بعد ذلك في حواشي القاضي عبد الرحمن على بلوغ المرام: أنه يشترط في جواز المسح على العمائم أن يعتم الماسح بعد كمال الطهارة، كما يفعل الماسح على الخف. وقال: وذهب إلى المسح على العمائم بعض العلماء، ولم يذكر لما ادعاه دليلاً. وظاهره أيضاً أنه لا يشترط للمسح عليها عذر، وأنه يجزىء مسحها، وإن لم يمس الرأس ماء أصلاً. وقال ابن القيم: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسح على العمامة فقط، ومسح على الناصية، وكمل على العمامة، وقيل: لا يكون ذلك إلا للعذر؛ لأن في الحديث عند أبي داود: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعث سرية فأصابهم البرد. فلما قدموا على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين"، فيحمل ذلك على العذر، وفي هذا الحمل بعد، وإن جنح إلى القول به في الشرح؛ لأنه قد ثبت المسح على الخفين، والعمامة من غير عذر في غير هذا. وعن عُمَرَ رضي الله عنه ــــ مَوْقُوفاً ــــ وعن أنسٍ ــــ مَرْفوعاً ــــ: "إذا تَوَضَّأَ أحَدُكمْ فلبس خُفّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عليْهِمَا، ولْيُصَلِّ فِيهِمَا، ولا يَخْلَعْهُمَا إنْ شاء إلا مِنَ الجَنَابَةِ" أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. (وعن عمر موقوفاً) الموقوف: هو ما كان من كلام الصحابي، ولم ينسبه إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (وعن أنس مرفوعاً) إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (إذا توضأ أحدكم فلبس خُفّيْه فلْيَمْسَحْ عليهما) تقييد اللبس، والمسح ببعد الوضوء: دليل: على أنه أريد بطاهرتين في حديث المغيرة، وما في معناه: الطهارة المحققة من الحدث الأصغر (وليصل فيهما ولا يخلعها إن شاء) قيدهما بالمشيئة: دفعاً لما يفيده ظاهر الأمر من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم (إلا من جنابة) فقد عرفت أنه يجب خلعهما (أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه). والحديث قد أفاد شرطية الطهارة، وأطلقه عن التوقيت، فهو مقيد به، كما يفيده حديث صفوان، وحديث علي عليه السلام. وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه عن النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنّهُ رَخّص لَلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أيَامٍ ولَيَاليَهُنَّ، وللمُقيمِ يَوْماً ولَيْلَةً، إذا تَطَهّرَ فَلَبِسَ خُفّيْهِ: أنّ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أخرجه الدارقطنيُّ وصححهُ ابنُ خُزَيمَةَ. (وعن أبي بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف وراء، اسمه نفيع بضم النون وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية اخره عين مهملة، ابن مسروح، وقيل: ابن الحارث، وكان أبو بكرة يقول: إنه مولى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ويأبى أن ينتسب. وكان نزل من حصن الطائف عند حصاره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له في جماعة من غلمان أهل الطائف، وأسلم وأعتقه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وكان من فضلاء الصحابة، قال ابن عبد البر: كان مثل النضر بن عبادة، مات بالبصرة سنة إحدى، أو اثنتين وخمسين وكان أولاده أشرافاً بالبصرة بالعلم والولايات، وله عقب كثير: (عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنّه رخّص للمُسافر ثلاثةَ أيّام ولَيَاليَهُنّ) أي في المسح على الخفين (وللمُقيم يَوْماً ولَيْلَةً إذا تَطَهّرَ) أي كل من المقيم والمسافر إذا تطهر من الحدث الأصغر (فَلَبِس خُفّيْه) ليس المراد من الفاء التعقيب، بل مجرد العطف؛ لأنه معلوم أنه ليس شرطاً في المسح (أن يمسح عليهما. أخرجه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة) ، وصححه الخطابي أيضاً، ونقل البيهقي: أن الشافعي صححه، وأخرجه ابن حبان، وابن الجارود، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والترمذي في العلل. والحديث مثل حديث علي عليه السلام في إفادة مقدار المدة للمسافر والمقيم. ومثل حديث عمر وأنس في شرطية الطهارة، وفيه إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابي له بذلك. وعنْ أُبيِّ بن عِمَارَةَ رضيَ الله عنهُ، أنّهُ قالَ: يا رَسُولَ الله أَمْسَحُ على الْخُفّيْنِ؟ قال: "نَعَمْ" قَالَ: يوماً؟ قال: "نَعَمْ" قَال: ويَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قالَ: وَثلاثَةَ أيّامٍ؟ قالَ: "نعم وما شِئْتَ"، أخْرَجَهُ أبو داود، وقالَ: لَيْس بالقَويِّ. (وعن أبيِّ) بضم الهمزة وتشديد المثناة التحتية (ابن عمارة) بكسر العين المهملة، وهو المشهور وقد تضم. قال المصنف في التقريب: مدني سكن مصر، له صحبة، في إسناد حديثه اضطراب، يريد هذا الحديث، ومثله قال ابن عبد البر في الاستيعاب: (أنه قال: يا رسول الله أمْسَحُ عَلى الخُفّيْن؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم، قال: ويومين قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت. أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي). قال الحافظ المنذري في مختصر السنن: وبمعناه: أي بمعنى ما قال أبو داود قال البخاري. وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسناد لا يثبت اهـ. وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره. وقال ابن عبد البر: لا يثبت، وليس له إسناد قائم، وبالغ ابن الجوزي، فعدّه في الموضوعات. وهو دليل على عدم توقيت المسح في حضر ولا سفر، وهو مروي عن مالك، وقديم قولي الشافعي، ولكن الحديث لا يقاوم مفاهيم الأحاديث التي سلفت، ولا يدانيها، ولو ثبت لكان إطلاقه مقيداً بتلك الأحاديث، كما يقيد بشرطية الطهارة التي أفادتها. هذا وأحاديث باب المسح تسعة وعدَّها في الشرح ثمانية ولا وجه له. باب نواقض الوضوء النواقض: جمع ناقض، والنقض في الأصل: حلّ المبرم، ثم استعمل في إبطال الوضوء بما عيّنه الشارع مبطلاً مجازاً، ثم صار حقيقة عرفية. وناقض الوضوء ناقض للتيمم؛ فإنه بدل عنه. عن أنس بن مَالكٍ قال: "كانَ أصْحَابُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على عَهْدِهِ يَنْتَظرُونَ الْعِشَاءَ حتى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّأونَ". أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصْلهُ في مُسْلم. (عن أنس بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على عَهْدِه ينتظرون العشاء حتى تخْفقَ) من باب ضرب يضرب: أي: تميل (رُؤوسُهُمْ) أي من النوم (ثم يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضأونَ. أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم) وأخرجه الترمذي، وفيه "يوقظون للصلاة"، وفيه "حتى إني لأسمع ص34ص35ص36 |
لأحدهم غطيطاً، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون". وحمله جماعة من العلماء على نوم الجالس، ودفع هذا التأويل: بأن في رواية عن أنس: "يضعون جنوبهم" رواها يحيى القطان.
قال ابن دقيق العيد: يحمل على النوم الخفيف. وردّ: بأنه لا يناسبه ذكر الغطيط، والإيقاظ؛ فإنهما لا يكونان إلا في نوم مستغرق. وإذا عرفت هذا فالأحاديث قد اشتملت على خفقة الرأس، وعلى الغطيط، وعلى الإيقاظ، وعلى وضع الجنوب، وكلها وصفت بأنهم كانوا لا يتوضأون من ذلك، فاختلف العلماء في ذلك على أقوال ثمانية: الأول: أنّ النوم ناقض مطلقاً على كل حال، بدليل إطلاقه في حديث صفوان بن عسال الذي سلف في مسح الخفين، وفيه: من بول، أو غائط، أو نوم. قالوا: فجعل مطلق النوم كالغائط، والبول في النقض، وحديث أنس ــــ بأي عبارة روي ــــ ليس في بيان أنه قرّرهم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ذلك، ولا راهم، فهو فعل صحابي لا يدري كيف وقع، والحجة إنما هي في أفعاله، وأقواله، وتقريراته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. القول الثاني: أنه لا ينقض مطلقاً؛ لما سلف من حديث أنس، وحكاية نوم الصحابة على تلك الصفات، ولو كان ناقضاً لما أقرّهم الله عليه، وأوحى إلى رسوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ذلك، كما أوحي إليه في شأن نجاسة نعله، وبالأولى صحة صلاة من خلفه، ولكنه يردّ عليهم بحديث صفوان بن عسال. القول الثالث: أن النوم ناقض كلّه، إنما يعفى عن خفقتين ولو توالتا، وعن الخفقات المتفرقات، وهو مذهب الهادوية، والخفقة: هي ميلان الرأس من النعاس، وحدّ الخفقة أن لا يستقر رأسه من الميل حتى يستيقظ، ومَنْ لم يمل رأسه عفي له عن قدر خفقة، وهي ميل الرأس فقط حتى يصل ذقنه صدره، قياساً على نوم الخفقة، ويحملون أحاديث أنس على النعاس الذي لا يزول معه التمييز. ولا يخفى بعده. القول الرابع: أنّ النوم ليس بناقض بنفسه بل هو مظنة للنقض لا غير، فإذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، وهو مذهب الشافعي، واستدل بحديث علي عليه السلام: "العين وكاء السَّه فمن نام فليتوضأ" حسنه الترمذي، إلا أن فيه مَنْ لا تقوم به حجة، وهو بقية بن الوليد، وقد عنعنه، وحمل أحاديث أنس على من نام ممكناً مقعدته، جمعاً بين الأحاديث، وقيّد حديث صفوان بحديث علي عليه السلام هذا. الخامس: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلي راكعاً، أو ساجداً، أو قائماً، فإنه لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة، أو خارجها، فإن نام مضجعاً، أو على قفاه نقض، واستدل له بحديث: "إذا نام العبد في سجوده باهى الله به الملائكة. يقول: عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي" رواه البيهقي وغيره، وقد ضعف. قالوا: فسماه ساجداً وهو نائم، ولا سجود إلا بطهارة. وأجيب: بأنه سماه باعتبار أول أمره، أو باعتبار هيئته. السادس: أنه ينتقض إلا نوم الراكع والساجد؛ للحديث الذي سبق، وإن كان خاصاً بالسجود، فقد قاس عليه الركوع، كما قاس الذي قبله سائر هيئات المصلى. السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة على أي حال، وينقض خارجها، وحجته الحديث المذكور، لأنه حجة هذه الأقوال الثلاثة. الثامن: أن كثير النوم ينقض على كل حال، ولا ينقض قليله، وهؤلاء يقولون: إن النوم ليس بناقض بنفسه، بل مظنة النقض، والكثير مظنة، بخلاف القليل، وحملوا أحاديث أنس على القليل، إلا أنهم لم يذكروا قدر القليل، ولا الكثير حتى يعلم كلامهم بحقيقته، وهل هو داخل تحت أحد الأقوال، أم لا؟. فهذه أقوال العلماء في النوم اختلفت أنظارهم فيه؛ لاختلاف الأحاديث التي ذكرناها. وفي الباب أحاديث لا تخلو عن قدح أعرضنا عنها. والأقرب القول: بأنّ النوم ناقض لحديث صفوان، وقد عرفت أنه صححه ابن خزيمة، والترمذي، والخطابي، ولكن لفظ النوم في حديثه مطلق ودلالة الاقتران ضعيفة، فلا يقال: قد قرن بالبول والغائط، وهما ناقضان على كل حال. ولما كان مطلق ورود حديث أنس بنوم الصحابة، وأنهم كانوا لا يتوضأون ولو غطوا غطيطاً، وبأنهم كانوا يضعون جنوبهم، وبأنهم كانوا يوقظون، والأصل جلالة قدرهم، وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء، سيما وقد حكاه أنس عن الصحابة مطلقاً، ومعلوم أن فيهم العلماء العارفون بأمور الدين خصوصاً الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، ولاسيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة معه صلى الله عليه واله وسلم، فإنهم أعيان الصحابة، وإذا كانوا كذلك فيقيد مطلق حديث صفوان بالنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك، ويؤول ما ذكره أنس من الغطيط ووضع الجنوب والإيقاظ بعدم الاستغراق، فقد يغطّ من هو في مبادىء نومه قبل استغراقه. ووضع الجَنْب لا يستلزم الاستغراق، فقد كان صلى الله عليه واله وسلم يضع جنبه بعد ركعتي الفجر ولا ينام، فإنه كان يقوم لصلاة الفجر بعد وضع جنبه. وإن كان قيل: إنه من خصائصه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه لا ينقض نومه وضوءه، فعدم ملازمة النوم لوضع الجنب معلومة، والإيقاظ قد يكون لمن هو في مبادىء النوم، فينبه، لئلا يستغرقه النوم. هذا وقد ألحق بالنوم الإغماء، والجنون، والسكر بأي مسكر، بجامع زوال العقل. وذكر في الشرح أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة، فإن صح كان الدليل الإجماع. وعن عائشة رضي الله عَنْهَا قالتْ: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقَالَتْ: يا رسولَ الله، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قالَ: "لا، إنّمَا ذلِكَ عِرْقٌ ولَيْسَ بحَيْضٍ، فإذا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أَدْبَرَتْ فاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي" متفق عليه. وللبخاريِّ: "ثمَّ تَوَضَّأي لِكُلِّ صلاةٍ" وأشار مُسْلمٌ إلى أنهُ حَذَفَها عَمْداً. (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنتُ أبي حُبَيْش) حبيش بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية فشين معجمة. وفاطمة قرشية أسدية، وهي زوج عبد الله بن جحش (إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُسْتَحاض) من الاستحاضة وهي: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه (فلا أطْهُرُ أفأدعُ الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث (عرق) بكسر العين المهملة وسكون الراء فقاف، وفي فتح الباري: أن هذا العرق يسمى العاذل بعين مهملة وذال معجمة، ويقال: عاذر: بالراء بدلاً عن اللام، كما في القاموس (وليس بحيض) فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة، فهو إخبار باختلاف المخرجين، وهو رد لقولها: لا أطهر؛ لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنّت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت: أن الحائض لا تصلي، فظنّت أنّ ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه ليس بحيض، وأنها طاهرة يلزمها الصلاة (فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُك) بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد بالإقبال: ابتداء دم الحيض (فدعي الصلاة) يتضمّن: نهي الحائض عن الصلاة، وتحريم ذلك عليها، وفساد صلاتها، وهو إجماع (وإذا أدْبَرَتْ) هو ابتداء انقطاعها (فاغْسلي عنك الدمَ) أي: واغتسلي، وهو مستفاد من أدلة أخرى (ثم صلي. متفق عليه). الحديث دليل على وقوع الاستحاضة، وعلى أنّ لها حكماً يخالف حكم الحيض، وقد بيّنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أكمل بيان، فإنه أفتاها بأنها لا تدع الصلاة مع جريان الدم، وبأنها تنتظر وقت إقبال حيضها، فتترك الصلاة فيها، وإذا أدبرت غسلت الدم، واغتسلت كما ورد في بعض طرق البخاري: "واغتسلي". وفي بعضها كرواية المصنف هنا: الاقتصار على غسل الدم. والحاصل: أنه قد ذكر الأمران في الأحاديث الصحيحة غسل الدم، والاغتسال. وإنما بعض الرواة اقتصر على أحد الأمرين، والاخر على الاخر. ثم أمرها بالصلاة بعد ذلك. نعم، وإنما بقي الكلام في معرفتها لإقبال الحيض مع استمرار الدم بماذا يكون؟ فإنه قد أعلم الشارع المستحاضة بأحكام إقبال الحيضة، وإدبارها، فدل على أنها تميز ذلك بعلامة. وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما: أنها تميّز ذلك بالرجوع إلى عادتها، فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام العادة، وورد الردّ إلى أيام العادة في حديث فاطمة في بعض الروايات بلفظ: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها"، وسيأتي في باب الحيض تحقيق الكلام على ذلك. الثاني: ترجع إلى صفة الدم، كما يأتي في حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش هذه بلفظ: "إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الاخر فتوضئي، وصلي، ويأتي في باب الحيض إن شاء الله تعالى، فيكون إقبال الحيض إقبال الصفة، وإدباره إدبارها، ويأتي أيضاً الأمر بالرد إلى عادة النساء، ويأتي تحقيق ذلك جميعاً، ويأتي بيان اختلاف العلماء، وأن كلا ذهب إلى القول بالعمل بعلامة من العلامات. (وللبخاري) أي: من حديث عائشة هذا زيادة: (ثم توضئي لكُلّ صلاة، وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً) فإنه قال في صحيحه بعد سياق الحديث: وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره. قال البيهقي: هو قوله: "توضئي"؛ لأنها زيادة غير محفوظة، وأنه تفرد بها بعض الرواة عن غيره ممن روى الحديث. وقد قرر المصنف في الفتح: أنها ثابتة من طرق ينتفي معها تفرد من قاله مسلم. واعلم أن المصنف ساق حديث المستحاضة في باب النواقض، وليس المناسب للباب إلا هذه الزيادة، لا أصل الحديث، فإنه من أحكام باب الاستحاضة والحيض، وسيعيده هنالك، فهذه الزيادة هي الحجة على أنّ دم الاستحاضة حدث، من جملة الأحداث، ناقض للوضوء، ولهذا أمر الشارع بالوضوء منه لكل صلاة؛ لأنه إنما رفع الوضوء حكمه لأجل الصلاة، فإذا فرغت من الصلاة نقض وضوؤها، وهذا قول الجمهور: أنها تتوضأ لكل صلاة. وذهبت الهادوية والحنفية: إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وأن الوضوء متعلق بالوقت، وأنها تصلي به الفريضة الحاضرة، وما شاءت من النوافل، وتجمع بين الفريضتين على وجه الجواز عند من: يجيز ذلك، أو لعذر، وقالوا: الحديث فيه مضاف مقدر وهو: لوقت كل صلاة فهو من مجاز الحذف؛ ولكنه لا بدّ من قرينة توجب التقدير؛ وقد تكلف في الشرح: إلى ذكر ما لعله يقال: إنه قرينة للحذف، وضعفه. وذهبت المالكية: إلى أنه يستحب الوضوء ولا يجب إلاّ لحدث اخر. وسيأتي تحقيق ما في ذلك في حديث حمنة بنت جحش في باب الحيض إن شاء الله تعالى، وتأتي أحكام المستحاضة التي تجوز لها، وتفارق بها الحائض هنالك فهو محل الكلام عليها، وفي الشرح سرده هناك، وأما هنا فما ذكر حديثهما إلا باعتبار نقض الاستحاضة للوضوء. وعن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهُ قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فأمَرْتُ المِقْدَادَ أنْ يَسْأَلَ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فسَأَلَهُ، فقَالَ: "فيهِ الْوُضُوءُ" متفقٌ عليهِ، واللفظ للبخاري. (وعن علي عليه السلام قال: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً) بزنة ضراب صيغة مبالغة من المذي بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء، وفيه لغات، وهو ماء أبيض لزج رقيق يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته، يقال: مذى زيد يمذي، مثل: مضى يمضي، وأمذى يمذي، مثل: أعطى يعطي (فأَمَرْتُ المقْدَادَ) وهو ابن الأسود الكندي (أنْ يسألَ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي: عما يجب على مَنْ أمذى، فسأله (فقال: فيه الوُضُوءُ. متفق عليه واللفظ للبخاري). وفي بعض ألفاظه عند البخاري بعد هذا: "فاستحييت أن أسأل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. "وفي لفظ: "لمكان ابنته مني" وفي لفظ لمسلم: "لمكان فاطمة". ووقع عند أبي داود، والنسائي، وابن خزيمة عن علي عليه السلام بلفظ: "كنت رجلاً مذاءً فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري". وزاد في لفظ للبخاري فقال: "توضأ واغسل ذكرك"، وفي مسلم: "اغسل ذكرك وتوضأ"، وقد وقع اختلاف في السائل هل هو المقداد كما في هذه الرواية، أو عمار كما في رواية أخرى؟ وفي رواية أخرى: أن علياً رضي الله عنه هو السائل. وجمع ابن حبان بين ذلك: بأن علياً عليه السلام أمر المقداد أن يسأل، ثم سأل بنفسه، إلا أنه تعقب: بأن قوله: فاستحييت أن أسأل لمكان ابنته مني: دالّ على أنه رضي الله عنه لم يباشر السؤال، فنسبة السؤال إليه في رواية مَنْ قال: إنّ علياً سأل: مجاز؛ لكونه الامر بالسؤال. والحديث دليل على أنّ المذي ينقض الوضوء، ولأجله ذكره المصنف في هذا الباب، ودليل على أنه لا يوجب غسلاً، وهو إجماع، ورواية "توضأ واغسل ذكرك" لا تقتضي تقديم الوضوء؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، ولأن لفظ رواية مسلم تبين المراد، وأما إطلاق لفظ (ذكرك) فهو ظاهر في غسل الذكر كله، وليس كذلك، إذ الواجب غسل محل الخارج، وإنما هو من إطلاق اسم الكل على البعض، والقرينة ما علم من قواعد الشرع. وذهب البعض إلى أنه يغسله كله عملاً بلفظ الحديث، وأيده رواية أبي داود: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ"، وعنده أيضاً: "فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ للصلاة" إلا أنّ رواية غسل الأنثيين قد طعن فيها، وأوضحناه في حواشي ضوء النهار، وذلك أنها من رواية عروة، عن علي، وعروة لم يسمع من علي، إلا أنه رواه أبو عوانة في صحيحه من طريق عبيدة، عن علي بالزيادة. قال المصنف في التلخيص: وإسناده لا مطعن فيه، فمع صحتها فلا عذر عن القول بها. وقيل: الحكمة فيه: أنه إذا غسله كله تقلص فبطل خروج المذي، واستدل بالحديث عن نجاسة المذي. وعن عائشة: أنَّ النَّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَبّل بَعْضَ نِسائِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ أخرجهُ أحمد، وضعّفهُ البُخاريُّ. وعن عائشة: أنَّ النَّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَبّل بَعْضَ نِسائِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ. أخرجهُ أحمد، وضعّفهُ البُخاريُّ. ص37ص38ص39 |
وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وأبو داود أخرجه من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فهو مرسل. وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن منه، ولكنه مرسل. قال المصنف: روى من عشرة أوجه عن عائشة، أوردها البيهقي في الخلافيات وضعّفها. وقال ابن حزم: لا يصح في هذا الباب شيء، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللمس.
إذا عرفت هذا، فالحديث دليل على أن لمس المرأة، وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الأصل، والحديث مقرر للأصل، وعليه الهادوية جميعاً، ومن الصحابة علي عليه السلام. وذهبت الشافعية: إلى أنّ لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}. فلزم الوضوء من اللمس. قالوا: واللمس حقيقة في اليد، ويؤيد بقاءه على معناه قراءة: "أو لمستم النساء". فإنها ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة فعل، وهذا يحقّق بقاء اللفظ على معناه الحقيقي، فقراءة: "أو لامستم النساء" كذلك، إذ الأصل اتفاق معنى القراءتين. وأجيب عن ذلك: بصرف النظر عن معناه الحقيقي للقرينة فيحمل على المجاز، وهو هنا: حمل الملامسة على الجماع، واللمس كذلك، والقرينة حديث عائشة المذكور، وهو وإن قدح فيه بما سمعت، فطرقه يقوي بعضها بعضاً. وحديث عائشة في البخاري: "في أنها كانت تعترض في قبلته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فإذا قام يصلي غمزها فقبضت رجليها ــــ أي عند سجوده ــــ وإذا قام بسطتهما"، فإنه يؤيد حديث الكتاب المذكور، ويؤيد بقاء الأصل، ويدل على أنه ليس اللمس بناقض. وأما اعتذار المصنف في فتح الباري عن حديثها هذا: بأنه يحتمل أنه كان بحائل أو أنه خاص به، فإنه بعيد مخالف للظاهر. وقد فسر علي عليه السلام الملامسة بالجماع. وفسرها حبر الأمة ابن عباس بذلك، وهو المدعو له بأن يعلمه الله التأويل، فأخرج عنه عبد بن حميد أنه فسر الملامسة بعد أن وضع أصبعيه في أذنيه: ألا وهو النيك، وأخرج عنه الطستي أنه سأله نافع بن الأزرق عن الملامسة، ففسرها بالجماع، مع أن تركيب الاية الشريفة وأسلوبها يقتضي أن المراد بالملامسة الجماع؛ فإنه تعالى عدّ من مقتضيات التيمم المجيء من الغائط تنبيهاً على الحدث الأصغر، وعدّ الملامسة تنبيهاً على الحدث الأكبر، وهو مقابل لقوله تعالى في الأمر بالغسل بالماء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـ كِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ولو حملت الملامسة على اللمس الناقض للوضوء لفات التنبيه على أن التراب يقوم مقام الماء في رفعه للحدث الأكبر، وخالف صدر الاية. وللحنفية تفاصيل لا ينهض عليها دليل. وعن أبي هرَيْرَةَ رضيَ الله عنهُ قالَ: قَالَ رسولُ الله: "إذا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بطنِهِ شيئاً، فأشكل عليه: أَخَرَجَ مِنْهُ شيءٌ، أمْ لا؟ فَلا يخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ ريحاً" أخرجه مُسْلم. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكلَ عليْهِ أخرَجَ منهُ شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد) إذا كان فيه لإعادة الوضوء (حتى يسمع صوتاً) للخارج (أو يجد ريحاً) له (أخرجه مسلم) وليس السمع، أو وجدان الريح شرطاً في ذلك، بل المراد حصول اليقين. وهذا الحديث الجليل أصل من أصول الإسلام، وقاعدة جليلة من قواعد الفقه، وهو أنه دل على أنّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك. وأنه لا أثر للشك الطارىء عقبها، فمن حصل له ظن، أو شك بأنه أحدث وهو على يقين من طهارته، لم يضرّه ذلك حتى يحصل له اليقين، كما أفاده قوله: "حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً"، فإنه علّقه بحصول ما يحسّه، وذكرهما تمثيل، وإلا فكذلك سائر النواقض كالمذي والودي. ويأتي حديث ابن عباس: "إن الشيطان يأتي أحدكم، فينفخ في مقعدته، فيخيل إليه أنه أحدث، ولم يحدث، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً" والحديث عام لمن كان في الصلاة، أو خارجها، وهو قول الجماهير. وللمالكية تفاصيل وفروق بين مَنْ كان داخل الصلاة، أو خارجها، لا ينتهض عليها دليل. وعن طَلْقِ بن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَجُلٌ مَسَسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَال: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصلاة، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا، إنّما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك" أخرجهُ الخمسَةُ، وصحّحهُ ابنُ حِبّانَ، وقالَ ابنُ المَديني: هوَ أحْسَنُ مِنْ حديث بُسْرَة. (وعن طلق) بفتح الطاء وسكون اللام (بن عليِّ) اليمامي الحنفي. قال ابن عبدالبر: إنه من أهل اليمامة (قال: قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا) ، أي: لا وضوء عليه (إنما هو) أي: الذكر (بَضْعَةٌ) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة (منْكَ) أي: كاليد والرجل ونحوهما، وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه (أخرجه الخمسة وصححه ابن حبان). (وقال ابن المديني) بفتح الميم فدال مهملة فمثناة تحتية فنون نسبة إلى جده، وإلا فهو علي بن عبد الله المديني. قال الذهبي: هو حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن، أبو الحسن علي بن عبد الله صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وستين ومائة. من تلاميذه البخاري، وأبو داود، وقال ابن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. قال النسائي: كأن علي بن المديني خلق لهذا الشأن قال العلامة محيي الدين النووي: لابن المديني نحو مائة مصنف: (هو أحسن من حديث بُسْرة) بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء، ويأتي حديثها قريباً، وهذا الحديث رواه، أحمد والدارقطني. وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب؛ وصححه الطبراني، وابن حزم، وضعّفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي. والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء، وهو مروي عن علي عليه السلام، وعن الهادوية، والحنفية. وذهب: إلى أنّ مسه ينقض الوضوء جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن أئمة المذاهب أحمد، والشافعي مستدلين بقوله. وعن بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوانَ رضي الله عنها: أنَّ رسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" أخرجه الخَمْسَةُ، وصَحّحهُ التِّرمِذيُّ وابن حِبّانَ، وقالَ البُخاريُّ: هُوَ أصَحُّ شيءٍ في هذا الْبَابِ. (وعن بسرة) تقدم ضبط لفظها، وهي (بنت صفوان) بن نوفل القرشية الأسدية، كانت من المبايعات له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، روى عنها عبد الله بن عمر، وغيره: (أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: مَنْ مَسَّ ذَكرهُ فليتوضأ. أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب) ، وأخرجه أيضاً الشافعي، وأحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وابن الجارود. وقال الدارقطني: صحيح ثابت. وصححه يحيى بن معين، والبيهقي، والحازمي. والقدح فيه: بأنه رواه عروة عن مروان، أو عن رجل مجهول: غير صحيح، فقد ثبت: أن عروة سمعه من بسرة من غير واسطة، كما جزم به ابن خزيمة، وغيره من أئمة الحديث. وكذلك القدح فيه: بأن هشام بن عروة الراوي له عن أبيه لم يسمعه من أبيه: غير صحيح؛ فقد ثبت: أنه سمعه من أبيه، فاندفع القدح وصح الحديث. وبه استدل مَنْ سمعت من الصحابة، والتابعين، وأحمد، والشافعي: على نقض مس الذكر للوضوء، والمراد مسه من غير حائل؛ لأنه أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس دونها حجاب ولا ستر، فقد وجب عليه الوضوء" وصححه الحاكم، وابن عبد البر. قال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب. وزعمت الشافعية أن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف، وأنه لا نقض إذا مس الذكر بظاهر كفه. وردّ عليهم المحققون بأن الإفضاء لغة: الوصول: أعمّ من أن يكون بباطن الكف، أو ظهرها. قال ابن حزم: لا دليل على ما قالوه لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي صحيح. وأيدت أحاديث بسرة أحاديث أخر، عن سبعة عشر صحابياً مخرجة في كتب الحديث، ومنهم طلق بن علي راوي حديث عدم النقض، وتأول مَنْ ذكر حديثه في عدم النقض. بأنه كان في أول الأمر؛ فإنه قدم في أول الهجرة قبل عمارته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسجده، فحديثه منسوخ بحديث بسرة؛ فإنها متأخرة في الإسلام. وأحسن من القول بالنسخ القول بالترجيح؛ فإن حديث بسرة أرجح؛ لكثرة من صححه من الأئمة، ولكثرة شواهده؛ ولأن بسرة حدثت به في دار المهاجرين والأنصار، وهم متوافرون، ولم يدفعه أحد، بل علمنا أن بعضهم صار إليه، وصار إليه عروة عن روايتها، فإنه رجع إلى قولها، وكان قبل ذلك يدفعه، وكان ابن عمر يحدث به عنها، ولم يزل يتوضأ من مس الذكر إلى أن مات. قال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق بن علي: أنه لم يخرجه صاحبا الصحيح، ولم يحتج بأحد من رواته، وقد احتج بجميع رواة حديث بسرة، ثم إن حديث طلق من رواية قيس بن طلق. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، فما يكون لنا قبول خبره. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس فيمن تقوم به حجة، ووهياه. وأما مالك، فلما تعارض الحديثان قال بالوضوء من مس الذكر ندباً لا وجوباً. وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "من أصابَهُ قَيءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْينْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأ، ثمَّ ليَبْنِ على صلاتِهِ، وهُوَ في ذلك لا يَتَكَلّمُ". أَخْرَجَهُ ابن مَاجَهُ، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ وغيرُهُ. وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "مَنْ أصابَهُ قيءٌ أو رُعافٌ أو قلْسٌ) بفتح القاف وسكون اللام وفتحها وسين مهملة، (أو مَذْيٌ) أي من أصابه ذلك في صلاته (فلينْصَرفْ) منها (فلْيَتَوَضَّأ، ثم ليبْن على صلاته وهو في ذلك) أي: في حال انصرافه، ووضوئه (لا يتكلم. أخرجه ابن ماجه وضعفه أحمد، وغيره") وحاصل ما ضعفوه به: رفعه إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم غلط، والصحيح أنه مرسل. قال أحمد والبيهقي: المرسل الصواب. فمن يقول: إنَّ المرسل حجة قال: ينقض ما ذكر فيه. والنقض بالقيء مذهب الهادوية، والحنفية، وشرطت الهادوية أن يكون من المعدة؛ إذ لا يسمى قيئاً إلا ما كان منها، وأن يكون ملء الفم دفعة؛ لورود ما يقيد المطلق هنا، وهو "قيء ذارع ودسعة ــــ دفعة ــــ تملأ الفم" كما في حديث عمار، وإن كان قد ضعف. وعند زيد بن علي أنه ينقض مطلقاً عملاً بمطلق هذا الحديث، وكأنه لم يثبت عنده حديث عمار. وذهب جماعة من أهل البيت، والشافعي، ومالك إلى أن القيء غير ناقض؛ لعدم ثبوت حديث عائشة هذا مرفوعاً، والأصل عدم النقض، فلا يخرج عنه إلا بدليل قوي. وأما الرعاف ففي نقضه الخلاف أيضاً، فمن قال بنقضه فهو عمل بهذا الحديث، ومن قال بعدم نقضه فإنه عمل بالأصل، ولم يرفع هذا الحديث. وأما الدم الخارج من أي موضع من البدن من غير السبيلين، فيأتي الكلام عليه في حديث أنس: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم احتجم، وصلى، ولم يتوضأ". وأما القلس وهو ما خرج من الحلق ملء الفم، أو دونه وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء، فالأكثر على أنه غير ناقض؛ لعدم نهوض الدليل، فلا يخرج من الأصل. وأما المذي فتقدم الكلام عليه، وأنه ناقض إجماعاً. وأما ما أفاده الحديث من البناء على الصلاة بعد الخروج منها، وإعادة الوضوء حيث لم يتكلم ففيه خلاف، فروى عن زيد بن علي، والحنفية، ومالك، وقديم قولي الشافعي أنه يبنى، ولا تفسد صلاته بشرط ألا يفعل مفسداً، كما أشار إليه الحديث بقوله: "لا يتكلم". وقالت الهادوية، و الناصر، و الشافعي في اخر قوليه: إن الحدث يفسد الصلاة؛ لما سيأتي من حديث طلق بن علي: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد الصلاة" رواه أبو داود ويأتي الكلام عليه. وعن جابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه أنَّ رجُلاً سألَ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قالَ: "إنْ شِئْتَ" قالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبل؟ قالَ: "نَعَمْ" أخرجه مسلمٌ. (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه) بفتح السين المهملة وضم الميم فراء، أبو عبد الله، وأبو خالد، جابر بن سمرة العامري، نزل الكوفة، ومات بها سنة أربع وسبعين، وقيل: ست وستين: (أن رجلاً سأل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أتوضأ من لحوم الغنم؟) أي: من أكلها (قال إن شئْتَ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قالَ: نعَمْ أخرجه مسلم) ، وروى نحوه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم". قال ابن خزيمة: لم أر خلافاً بين علماء الحديث: أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. والحديثان دليلان على نقض لحوم الإبل للوضوء، وأنَّ مَنْ أكلها انتقض وضوؤه. ص40ص41ص42 |
ارجوا من الله اني قد وفقة في نقل لكم مختصر من كتاب الطهاره
على من يقراء هذا الكتاب الدعاء ليه هذا هوا مرادي تقبلوا تحيات اخوكم السوافع والصقور |
[align=center]
الله يجزاك كل خير ولا يحرمك الأجر يعطيك الف عافية عالمجهود المتعوب عليه تقبل فائق إحترامي ومودتي ومروري [/align] |
مشكور اخي (ابوعلي ) ويعطيك العافيه
تقبل احترامي |
| أ‡أ،أ“أ‡أڑأ‰ أ‡أ،أ‚أ¤ 09:38 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir